الحرب التجارية عقبة كبرى أمام النمو العالمي

تمثل الحرب التجارية عقبة كبيرة أمام نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ولا تتوقف المخاطر فقط على طرفي النزاع (الولايات المتحدة والصين)، بل تترك أثرها واضحاً على الاقتصادات الكبرى الأخرى حول العالم. ويتطرق تحليل لـQNB إلى ملامح هذه التأثيرات ومستقبلها على الدول الرئيسية على النحو الآتي:

الولايات المتحدة

ظلّ الاقتصاد الأميركي محمياً بصورة نسبية حتى الآن من الآثار السلبية للحرب التجارية بفضل التخفيضات الضريبية التي أدخلها الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ولكن تلاشى التحفيز الناشئ عن التخفيضات الضريبية، في حين بدأ تأثير تخفيض بنك الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة خلال عام 2018 وتأثير الحرب التجارية المتصاعدة منذ أواخر 2018 يظهر على الاقتصاد. ومستقبلاً، يرى التحليل أن تأثير العاملين السابقين سيزداد في إضعاف نمو الناتج المحلي الإجمالي الأميركي كلما طال أمد التعريفات الجمركية، وكلما ارتفع مستواها، وكلما استهدفت السلع الاستهلاكية بصورة مباشرة. ولكن، مع الانتخابات الرئاسية التي ستجري في العام 2020، وحيث أن جميع المرشحين المحتملين يؤيدون التشدد في التعامل مع الصين بشأن ممارساتها التجارية، من المرجح أن تظل التعريفات الحالية في مكانها، بل ربما أن تتصاعد أكثر في المستقبل المنظور.

الصين

يعتبر التأثير المباشر للحرب التجارية أكبر على الصين مما هو على الولايات المتحدة.  ويبيّن التحليل أن الصين اتبعت نموذج نمو تقوده الصادرات، مما أدى إلى نمو قوي بشكل خاص في السنوات الخمس السابقة للأزمة المالية العالمية في عام 2009، حيث تخصصت في أن تصبح مصنع العالم.

وتشكل الحرب التجارية تحدياً كبيراً لأنها تضرب نموذج النمو الصيني القائم على التصدير، لكنها في الوقت ذاته تمثل فرصة لتشجيع إعادة التوازن الاقتصادي. وتتبع الصين استراتيجيتين واضحتين لدعم استمرار النمو الاقتصادي: أولاً، تستخدم الصين مبادرة الحزام والطريق لتقليص وقت وتكلفة النقل، وبالتالي تعزيز قدرتها على الوصول إلى الأسواق في منطقة أوراسيا (آسيا وأروبا). ثانياً، ترتقي الصين في سلسلة القيمة من خلال الانتقال من التصنيع منخفض التكلفة إلى قطاعات أكثر تطوراً وذات قيمة مضافة أعلى.

الاتحاد الأوروبي

تعاني الاقتصادات الناضجة في أوروبا من المشاكل الديموغرافية وتحديداً شيخوخة السكان، والمشاكل السياسية الداخلية، كالتأثيرات القومية التي تقف وراء مشاكل مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وقد أدت هذه المشاكل الداخلية إلى كبح كل من نمو الناتج المحلي الإجمالي والتضخم. في ذات الوقت، أثرت الحرب التجارية بشكل ملموس على محرك النمو في قلب منطقة اليورو، أي قطاع التصنيع الألماني القائم على التصدير. ونتيجة لذلك، يعمل السياسيون الأوربيون من أجل تشتيت انتباه الرئيس الأميركي ترامب بعيداً عن الدعم الحكومي لقطاع الزراعة الأوروبي، ورسوم الواردات الأوروبية، والقيمة المرتفعة لصادرات السيارات من أوروبا إلى الولايات المتحدة.

وتعتبر المملكة المتحدة حالةً خاصة، فبعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، ستصبح بمفردها اقتصاداً أصغر بكثير من الولايات المتحدة، ما سيؤدي إلى إضعاف موقفها التفاوضي بشكل جوهري. لكن من المرجح أن العلاقة الخاصة والوطيدة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة والتقارب بين رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون والرئيس ترامب سيساعدان المملكة المتحدة في الحصول على صفقة أفضل مما كانت ستحصل عليه تحت ظرف آخر.

الاقتصادات الأخرى

وبحسب التحليل، تعيش كندا واليابان والمكسيك وضعاً متطابق تقريباً في ما يتعلق بالحرب التجارية. فلدى هذه الدول تعرضات كبيرة تجاه الولايات المتحدة فيما يخص صادرات الصناعات المتقدمة، كصناعة السيارات على وجه التحديد، وجميعها تعاني من ضعف نمو الناتج المحلي الإجمالي. ولذلك فإنها تسعى بنشاط، على غرار أوروبا، للحفاظ على علاقاتها التجارية مع الولايات المتحدة. ومثلها مثل أوروبا، تعاني القطاعات الصناعية بهذه الدول من التأثيرات السلبية المرتبطة بضعف الطلب في الصين. لكن ربما تكون هذه الدول في وضع أفضل، مقارنةً بغيرها، للاستفادة من تحول مسار الطلب الأميركي على السلع بعيداً عن الصين.

 

************************************

 

مجلة البنك والمستثمر

العدد 227 تشرين الثاني 2019

 

 

 

 

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة