المهاجرون ينعشون قطاع الأعمال الأوروبي

تأسيس شركات جديدة أحد الخيارات للاستقرار في ألمانيا

المهاجرون ينعشون قطاع الأعمال الأوروبي

على الرغم من كون ألمانيا أكبر اقتصاد في أوروبا وقطاعها الصناعي يعتبر الاكثر تقدماً وازدهاراً ومستويات البطالة فيها هي من بين الأدنى عالمياً، إلا أن “روح ريادة الأعمال” تنقص الكثيرين من الالمان خصوصاً الشباب منهم  الذين يفضلون اختيار الوظائف الآمنة في الشركات القائمة عوضاً عن المجازفة وتأسيس شركاتهم الخاصة.

وبخلاف بقية الدول المتقدمة التي  تستقبل المهاجرين مثل أوستراليا والولايات المتحدة والتي يزداد فيها نشاط ريادة الأعمال، لا يزال مستوى الإقبال على تأسيس الشركات في ألمانيا منخفضا، اذ أظهرت احصاءات صادرة عن مرصد العالمي لريادة الأعمال أن العدد الاجمالي للشركات التي تؤسس كل عام انخفض بأكثر من 40 في المئة خلال العقد الأخير.

أمام هذا الواقع ، يعتبر طوفان اللاجئين الأخير فرصة سانحة لدفع حركة إنشاء الشركات الجديدة في ألمانيا إذ أن الكثيرين من اللاجئين كان لهم نشاط يديرونه في بلادهم. 

السوريون في الصدارة

أكد بنك كي.إف.دبليو وهو بنك للتنمية مملوك للحكومة الألمانية أن المهاجرين يقفون بالفعل وراء شركة من بين كل خمس شركات جديدة أنشئت في السنوات الأخيرة. ويمثل ذلك نسبة أعلى من نسبتهم إلى عدد السكان.

ويمثل الوافدون من سورية حيث ينتشر الإقبال على إنشاء الأعمال الخاصة نحو ثلث عدد من تقدموا بطلبات للجوء في عام 2015.

ونقلت وكالة رويترز عن المحامي السوري أسامة العجي الذي يعمل في كولونيا ويقدم المشورة لرجال الأعمال العرب الراغبين في تأسيس شركات في ألمانيا قوله إن “تأسيس مشروعات خاصة أمر شائع في العالم العربي. فالعرب تجار مهرة.”

 

آثار محدودة في الأجل القصير

وبالرغم من البيانات الصادرة عن  بنك كي.إف.دبليو ، يقلل بعض الخبراء من شأن ما يتردد من أن الموجة الأخيرة من الوافدين الجدد قد تؤدي إلى موجة تأسيس شركات ناشئة في الأجل القريب.

 

ويقدر خبير المشروعات الخاصة في معهد الأبحاث الاجتماعية في ماينز، رالف زاينغر، أن ما بين 25 إلى 50 ألفا فقط قد ينشئون شركاتهم من بين الوافدين الذي دخلوا ألمانيا العام الماضي ويبلغ عددهم 1.1 مليون مهاجر، مشيراً إلى أن زيادة وتيرة تأسيس الشركات ستستغرق وقتا.

وكانت دراسة أجراها معهد سوق العمل والتوظيف قد توصلت إلى أن أقل من عشرة في المئة من اللاجئين عملوا في وظائف في السنة التي وصلوا فيها. وبعد خمس سنوات ارتفعت هذه النسبة إلى نحو 50 في المئة.

 

صعوبات وعوائق

استنفد كثيرون من الوافدين الجدد مدخراتهم فيما دفعوه للمهربين لعبور البحر المتوسط وسيواجهون صعوبات في تدبير التمويل لشركاتهم الناشئة. وربما ينشغل آخرون بالسعي لتدبير بيت للإقامة وتعلم اللغة الألمانية.

وبخلاف حاجز اللغة وصعوبة تدبير التمويل ربما يواجه الراغبون من اللاجئين في تأسيس شركات عقبات أخرى أبرزها العثور على متجر مناسب  وخصوصاً في العاصمة برلين ،اذ أن أصحاب العقارات يريدون رؤية تقارير مصرفية وبرهانا على تحقيق دخل.

 

لا خيار آخر

لكن بالرغم من الصعوبات التي تصادفهم، قد لا يجد الكثير من المهاجرين أماهم العديد من الخيارات سوى العمل لحسابهم الخاص، حيث أن تجربة المهاجرين إلى المانيا خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي تظهر أن  “العمال الضيوف” الذين أتوا من تركيا وشمال أفريقيا ومن يوغوسلافيا السابقة ودول أوروبا الشرقية واجهوا صعوبات في كثير من الأحيان للحصول على وظائف تتطابق مع ما لديهم من مهارات لأن أصحاب الأعمال لا يعترفون بما حصلوا عليه من مؤهلات دراسية في بلادهم الأصلية.

وبدلا من قبول وظائف بأجور هزيلة في القطاع الصناعي كان هؤلاء العمال يختارون العمل لحسابهم الخاص وتأسيس شركات تجارية صغيرة الحجم.

 

حاجة ماسة للمهاجرين

يسجل مؤشر الولادات في ألمانيا انخفاضا مطردا منذ العام 2000، وبلغ 8.42 لكل ألف شخص في  العام الماضي في حين سجل معدل الوفيات 11.5 حسب الإحصائيات الصادرة من موقع  (indexmundi)، وهذا يبين حجم المشكلة التي تعاني منها البلاد  فمقابل ثماني ولادات هناك 11 وفاة سنويا لكل ألف شخص أي أن هناك عجزا بنسبة 0.3%، بينما -وعلى سبيل المقارنة- في  سورية بلغ معدل الولادات 31.11 طفلا لكل ألف شخص في عام 2000.

كما أنه خلال الـ35 سنة الأخيرة يقل جيل الأطفال عن جيل البالغين بمقدار الثلث -فمن بين تسعين بالغا يوجد ثلاثون طفلا- حيث يعتبر معدل الخصوبة عند الألمان من أدنى المعدلات في العالم حيث يبلغ 1,38 طفل لكل امرأة.

 

ويعتبر متوسط الأعمار في المانيا من الأعلى عالمياً  (77 عاما بالنسبة للرجال و82 بالنسبة للسيدات) مما يشير إلى شعب معمر فمن المتوقع أن يتجاوز عدد السكان ممن هم فوق 65 عاما من 17 إلى 22 مليونا، مما يوجب على الحكومة الألمانية  تأمين رعاية صحية وتأمينات اجتماعية لهم، في الوقت نفسه انخفضت الفئة العمرية بين 24 و64 عاما من 49 مليونا إلى ما بين 38 و43 مليونا، وفي حال استمر العجز السكاني فإن عدد السكان في عام 2060 سيتقلص بنسبة 19% ليصل إلى 66 مليون نسمة.


أما معاناة ألمانيا من الشيخوخة فهي ناجمة عن إحجام الألمان عن الإنجاب وارتفاع متوسط الأعمار، فالشعب الألماني يوصف بأنه يعيش طويلا وينجب قليلا حيث بلغ عدد المسنين ممن يحتاجون إلى رعاية 2.24 مليون مسن عام 2009 ويتوقع أن يصل العدد في عام 2030 إلى 4.35 ملايين بحسب مكتب الإحصاء الألماني.

ويشير المكتب أيضا إلى أن “نسبة الشيخوخة سترتفع ما فوق 65 عاما على أن يشكل هؤلاء ثلث عدد السكان عام 2060″، ويتوقع أيضا أن تنخفض نسبة من هم تحت سن 15 عاما إلى 13% وهي من بين أدنى النسب المئوية في العالم، أما من هم فوق الستين فمن المتوقع أن ترتفع نسبتهم من 27% إلى 39%.

في هذا الاطار، يقول الباحث الألماني ستيفن كرامر إن من أبرز أسباب إحجام الألمان عن الإنجاب هي السياسة المتبعة من قبل النظام النازي في الماضي، مع بروز ظاهرة الالتزام بالعمل أكثر، والقلق من الزيادة المفرطة في عدد السكان خوفا من تخريب البيئة.

 

سد فجوة العمالة
إدراكا من الحكومة الألمانية أن انخفاض القوة العاملة في السوق له آثار سلبية على ازدهار الاقتصاد والنمو فإنها تقوم بسد فجوة العجز العمالي لديها من المهاجرين وطالبي اللجوء حيث تستقبل مئة ألف لاجئ سنويا، وحيث يؤدي النقص في العمالة إلى انخفاض تمويل صناديق التقاعد والتأمين الصحي وانخفاض المستهلكين والمنتجين للبضائع في السوق المحلية وقلة دافعي الضرائب الذين يدفعون لبناء المدارس والطرق، مما يؤدي إلى انخفاض في معدل النمو وبالتالي إلى تدني مستوى الرفاهية في الدولة، لذلك يعد انضمام المهاجر إلى العمالة تخفيفا لاستنزاف الخزينة العامة للدولة.

ومع ازدياد العجز السكاني دون محاولة ملء الفراغ في السوق الناجم عن تقلص عدد السكان سيغدو العمال المتخصصون وملء شواغر العمل شبحا يطارد الشركات الألمانية التي لا تهتم إلا بالعمل فقط، ويذكر هنا أن سوق العمالة الألماني يحتوي على 46 مليون شخص قادر على العمل.

لكن بعملية حسابية إذا ما تم طرح العمالة الوافدة من الرقم السابق خلال الثلاثين عاما المقبلة فسينخفض الرقم إلى 29 مليون عامل حسب تقرير دير شبيغل الألمانية، ويظهر شدة العوز للعمالة. لذلك في ظل ما تواجهه ألمانيا من شيخوخة وتقلص عدد السكان لا بد لها من استقبال اللاجئين من أجل سد العجز السكاني ولاستمرار دوران العجلة الاقتصادية.

علاوة على هذا ستجد ألمانيا نفسها مجبرة على استقبال لاجئين من دول العالم الثالث بسبب تعافي اقتصادات الدول الأوروبية من آثار الأزمة المالية التي كانت تمد السوق الألمانية بالعمالة من مختلف الاختصاصات، كما أن كثيرا من تلك البلدان تعمل على معالجة النقص في السكان والشيخوخة لديهم.

وبحسب صحيفة الغارديان فإن ألمانيا تستعد لخسارة خمسة ملايين عامل في السنوات الـ15 المقبلة، وفي هذا المقام لا تقتصر حاجة سوق العمل على الأكاديميين وذوي الكفاءات العالية بل يحتاج السوق أيضا إلى أشخاص من ذوي الخبرات المتوسطة والمنخفضة مثل مجالات التمريض والزراعة والمطاعم وغيرها، علما أن الوظائف الشاغرة في هذه المجالات تشهد ارتفاعا، فقد أشار معهد بحوث التوظيف الألماني إلى تزايد في عدد الوظائف الشاغرة بسوق العمل الألماني منذ يوليو/تموز 2010 إلى يوليو/تموز 2015.

دعم الاقتصاد الأوروبي

بالإضافة إلى سد فجوة العجز العمالي، يقدم اللاجئون دعماً كبيراً للاقتصاد الالماني عبر مساهمتهم في زيادة الاستهلاك، محرك نمو الاقتصادات المتقدمة.

كما أن زيادة عدد طالبي اللجوء الى مليون شخص تقريباً من شأنه أن يزيد الطلب على المنازل منخفضة التكلفة  والمنازل سابقة التجهيز في ألمانيا ،اذ تتوقع وزارة الاقتصاد  الألمانية نمو أعمال الإنشاءات، ولا سيما بناء المنازل، في الأشهر المقبلة.

ومن المتوقع أن يؤدي هذا الطلب إلى جانب ضخ الحكومة 13 مليار يورو (14 مليار دولار) لتحديث الطرق والجسور إلى زيادة المبيعات في قطاع الإنشاءات 2.5% إلى 235 مليار يورو في العام الحالي، وهو أعلى مستوى منذ عام 2000، بحسب اتحاد (بي.في.بي) المرتبط بالقطاع .

ويمثل قطاع البناء 4% من الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا، كما أنه قطاع توظيف كبير، حيث يتجاوز عدد العاملين فيه 2.5 مليون شخص في أكثر من 300 ألف شركة.

يذكر أن  دويتشه بنك كان قد رفع توقعاته للنمو الألماني في عام 2016  إلى 1.9% من 1.7 % مشيرا إلى زيادة الهجرة التي ستضيف نحو نصف نقطة مئوية لإجمالي نمو الاستهلاك في البلاد. وأوضح البنك أنه للاستفادة من الهجرة، تحتاج ألمانيا إلى نحو سبعمئة ألف مهاجر على مدى السنوات العشر القادمة للحفاظ على استقرار مستوى سكانها.

وعلى الصعيد الأوروبي، يتوقع بنك كريدي سويس السويسري أن تزيد  الهجرة عدد سكان منطقة اليورو بنحو خمسة ملايين أو 1.5% من الإجمالي الحالي البالغ 340 مليون نسمة، على مدى السنوات الخمس القادمة, وأن تضيف 0.2-0.3 نقطة مئوية إلى نمو المنطقة في العام الحالي.

أما رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي فيعتبر أن أزمة اللاجئين في أوروبا، وإن كانت تحديا يواجه دول القارة، إلا أنها فرصة من شأنها أن تسهم في تغيير أوروبا بشكل إيجابي، حيث أن الإنفاق الحكومي للتعامل مع اللاجئين من شأنه أن يكون حافزا للنمو في أوروبا.

وأوضح دراغي أن تزايد الإنفاق الحكومي في التعامل مع اللاجئين، سينعكس إيجابا على مراحل في مجالات التعليم والصحة والقطاعات الخدمية، رغم اعترافه بأن التحدي المجتمعي يبقى قائما ومن المبكر التنبؤ بنتائجه سلبية كانت أم إيجابية.

وفي مؤشر على أن الهجرة بدأت تنعكس ايجاباً على بعض الدول الأوروبية، أعلن المعهد السويدي للأبحاث الاقتصادية في 15 مارس/آذار 2016  أن زيادة معدل الهجرة إلى البلاد ساهمت في زيادة حجم النمو الاقتصادي بمعدّلٍ كبير، وأدت إلى ارتفاع الاستهلاك العام مقابل التكاليف التي تتحمّلها الدولة والبلديات عند استقبالها اللاجئين.

في هذا السياق ، قال رئيس الأبحاث في المعهد يسبر هانسون، إن الهجرة من الأسباب التي تساهم في النمو الاقتصادي للسويد، موضحاً أن زيادة الاستهلاك تزيد من المحفّزات، وأن بناء مزيد من المساكن لمن حصل على حقّ الإقامة لطالبي اللجوء سيرفع النمو الاقتصادي.

 وفي تركيا، يساهم اللاجئون في تعزيز النمو الاقتصادي، حيث كان انفاقهم أحد العوامل الرئيسية وراء “المفاجأة الإيجابية في النمو الاقتصادي لعام 2015” ،حسبما أكد المحلل الاقتصادي في شركة (آي.إس إنفستمنت) ،معمر قموروش أوغلو.

ويقدر حجم إنفاق كلّ لاجئ سوري في تركيا بـ  346 ليرة شهرياً ( 346 دولار) أي أن 2.6 مليون لاجئ ينفقون ما يعادل 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

شركاء مستقبليين

ولن يكون للهجرة آثار ايجابية على الاقتصادات الأوروبية فحسب، اذ من المتوقع ان تدعم تحويلات المهاجرين الى ذويهم اقتصادات دولهم الاصلية. كما أن عودة قسم من اللاجئين إلى أوطانهم في المستقبل ستساهم في تعزيز النمو واعادة الاعمار وفي نفس الوقت ستخلق علاقات اقتصادية قوية مع الدول الأوروبية التي استضافتهم