لبنان محصن مع رياض سلامه والليرة مصانة

في أيلول/ سبتمبر الماضي، خرجت حملة مغرضة استهدفت حاكم مصرف لبنان رياض سلامه. انتهت بالفشل وسقطت بعدما احتضن اللبنانيون هذا الحاكم الذي كرّس كل حياته ووضع كل امكاناته في خدمة لبنان، بدءاً من حماية النقد الى تعزيز صمود الاقتصاد والمالية العامة، وشكل على مدى تاريخه صمام أمان للنقد وللاستقرار في البلد.

لم يستطع المصطادون في المياه العكِرة التعتيم على إنجازات حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ونجاح سياسته النقدية الحمائية لليرة اللبنانية مع كل استحقاق أو أزمة، سوى ترويج شائعة من هنا، وخبر مدسوس من هناك. كانت الحملة استهداف للبنان ووضعه الاقتصادي قبل أن تكون موجهة لرياض سلامه في صحته. ولأن ثقة اللبنانيين كبيرة بالحاكم بقيت السوق على رغم كل الشائعات، علماً أن الحكومة كانت تسير الأعمال، فيما يرسم المجلس المركزي لمصرف لبنان بقيادة سلامة سياسة الاستقرار وحماية الليرة.

 

سياسة حمائية

قبل انعقاد مؤتمر “سيدر” الذي حجز للبنان قروضاً وهبات بـ11 مليار دولار لإنفاقها في مشاريع البنى التحتية والاستثمار، كان الحاكم سلامه يشرف على سياسة حمائية للمصرف تجعل من لبنان عصياً على الانهيار، وعملته الوطنية مستقرة بالرغم من كل الصعوبات والضغوط، وفي غياب الحكومة يقدم حلولاً للأزمات. لكن يبدو أنه عندما تفتر الجهود الإصلاحية، تكثر الشائعات المستفيدة من الفراغ، للتصويب في اتجاه قوّة لبنان الكامنة في “الاستقرار النقدي” بقيادة حاكم مصرف لبنان رياض سلامه، والذي يبقى “الدرع الواقي” للبلد وصموده في أعتى الأزمات على اختلافها. وقد كانت تدخلات المصرف المركزي طوال الظروف الصعبة وفي السنوات التي كان لبنان مهدداً فيها بالافلاس، وتلك التي مرّت على البلد في العقدين الأخيرين، السند الأمين للسوق النقدية بما حفظ ولا يزال، لبنان واقتصاده وبالتالي سيادته التي لا يمكن المحافظة عليها من دون وضع نقدي سليم ومتين. وقد كان الحاكم على قدر آمال اللبنانيين، لا يتزحزح عن موقفه في الدفاع عن مستقبل اللبنانيين واستقرارهم.

حاول البعض ضرب إنجازات الحاكم سلامة ونجاحاته المتتالية والكثيرة التي سطّرها في الداخل ووصلت اصداءها الإيجابية إلى الخارج حيث أصبح “أفضل حاكم مصرف مركزي عالمياً ولمرات عديدة، وفي كل مرة اختلف مصدر هذا اللقب لكن الرسالة واحدة أنه الأفضل.

وقد حاز الحاكم سلامه أخيراً على درجة “A” من بين 85 حاكم مصرف مركزي في العالم في تقرير عام 2018 لمجلة غلوبال فاينانس “Global Finance”، وهي من اهم المجلات الاقتصادية في العالم، وذلك للمرة الثالثة بعد ما كان قد حاز على هذا التصنيف عامي 2011 و2017.

 

السياسة النقدية والاقتصاد

ساهمت السياسة النقدية التي اتّبعها مصرف لبنان منذ 25 عاماً، في تحييد الليرة اللبنانية عن التقلبات السياسية والاقتصادية في كل الظروف على اختلافها، وفي الوقت نفسه دعمت الاقتصاد وكرّست استقراره، كما أن الهندسات المالية التي رسمها المصرف بقيادة سلامه جنبّت لبنان مخاطر نقدية ورسخّت استقرار سعر الصرف الوطني ومكنّته من تقوية احتياطاته من العملات الأجنبية، في ظل عجز كبير في الموازنة العامة وتنامي الدين العام وانكماش عجلة الاقتصاد، علماً أن سلامه نفسه كان يؤكد في كل مناسبة أن خفض العجز هو السبيل لشق طريق حماية المالية والاستقرار وإعادة النهوض، ما يستلزم اجراءات دقيقة وعمليات تقودها الحكومة لضبط الوضع الاقتصادي واستقطاب الاستثمارات.

ولأن الثقة التي يتمتع بها الوضع النقدي والمالي في البلد، والتي كرّسها الحاكم أدت الى دخول مليارات الدولارات إلى البلد، وكل الكلام الذي قيل عن خروج ودائع من لبنان غير صحيح، الأمر الذي يؤكد الثقة المحلية والعالمية بالقطاع المصرفي اللبناني الذي عزّز استقطاب الودائع والتحويلات من الخارج عبر رفعه أخيراً، الفائدة على الليرة اللبنانية والدولار الأميركي، مع تجيير الفائدة الأكبر لليرة، كتدبير آمن من أي انزلاقات سياسية أو أمنية طارئة قد تنعكس سلباً على الوضعين المالي والاقتصادي.

 

استقرار الليرة والموجودات

“استقرار الليرة اللبنانية هو عنوان للثقة” كلام أكده حاكم مصرف لبنان رياض سلامه أخيراً، وهو حقيقي، فالليرة اللبنانية صامدة وقويّة، والقطاع المصرفي من أقوى القطاعات المصرفيّة في العالم العربي وفق ما يؤكد مصرفيون. أما المناعة التي يتمتع بها القطاع المصرفي بفعل اجراءات مصرف لبنان واشراف رياض سلامه على الهندسات المالية والاجراءات الكثيرة لحماية القطاع المصرفي، فتمكّنه من الصمود في وجه كل طارئ وعلى الجبهات المختلفة، وفي ذلك دليل قاطع إلى نجاح الرهان على سياسات الحاكم وصوابيّة توجهاته النقديّة، وإلى قوّة القطاع المصرفي وقدرته على جبه التحديات، سياسية كانت أو اقتصادية. وقد تمكن مصرف لبنان باشرافه مع المصارف التجارية اللبنانية من حماية البلد من هزّات المنطقة، ومن تداعيات الديْن العام المتنامي، ومن هشاشة النمو الاقتصادي. وكذلك حمايته من الضغوط ومن العقوبات الأميركية.

وقد حافظ مصرف لبنان على استقرار موجوداته الخارجية بين آب ٢٠١٧ وآب ٢٠١٨ بل زاد نموّها بحوالى ٣ في المئة، كذلك ارتفعت نسبة الودائع للقطاع الخاص لغير المقيمين حوالى ٨ في المئة على صعيد سنوي. وزادت الودائع في المصارف اللبنانية من ١٧٨ مليار دولار إلى أكثر من١٨٧ ملياراً، ومن المتوقع أن يبلغ النمو في الودائع 4.2 في المئة في نهاية العام الجاري.

وهذه الارقام تدلّ إلى عدم هروب أموال إلى الخارج، وأن نمو الودائع إيجابي خصوصاً لغير المقيمين، إضافة إلى أن الاحتياطي بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان وصل الى مستويات عالية بلغت ٤٣ مليار دولار من دون احتساب احتياطي الذهب، كما أن الفوائد ارتفعت بنسب معقولة مقارنة مع البلدان المصنّفة بالتصنيف الائتماني ذاته، وسجّل متوسطها ارتفاعًا على الفوائد بالليرة من 5.6 في المئة إلى ٧ في المئة. وبالنسبة إلى الودائع بالدولار ارتفعت من 3.6 في المئة الى 4.2 في المئة، أي أن الفائدة على الليرة ارتفعت نقطة ونصف نقطة تقريباً، وعلى الدولار بأقل من نقطة واحدة خلال عام كامل.

ويُتوقع أن تزيد آجال الودائع في كل شرائحها، وهذا دليل ثقة بالقطاع المصرفي اللبناني، والتدابير التي اتخذها حاكم مصرف لبنان، وفعالية سياسة الفوائد المطبّقة. علماً أن ذلك لا يعني ان ليس هناك أزمات كبيرة في الاقتصاد وفي الوضع اللبناني، انما رغم ذلك استطاع مصرف لبنان تحقيق انجازات، وهذا وحده يشكل دليل ثقة. ولم يشهد البلد لجوء المودِعين إلى تحويل ودائعهم من الليرة الى الدولار. لكن المقلق هو معدّل العجز في ميزان المدفوعات الذي سجّل في آب ٢٠١٧ 368.3 مليون دولار ليرتفع إلى 408.2 ملايين دولار في نهاية آب 2018، علماً أنه يبقى أفضل من العجز المُسجَّل في تموز الماضي حيث بلغ  548.9 مليون دولار وفي حزيران 638.5 مليوناً بعدما حقق وفراً في أيار الماضي بـ1.2 مليار دولار.

 

تدابير وسياسات تحفيز

الليرة ثابتة من خلال التدابير الداعمة التي يتخذها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، والاحتياطي الكبير بالعملات الأجنبية الذي يملكه البنك المركزي والذي تجاوز الـ٤٣ مليار دولار، وهذا الرقم قادر على لجم أي تدهور في العملة الوطنية وضرب التلاعب في سوق القطع، ما يدلّ إلى الثقة بالقطاع المصرفي اللبناني وقرارات الحاكم سلامه.

وقد جاءت الحملات على الحاكم ومصرف لبنان في مرحلة حساسة ودقيقة، حيث فرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقوبات على “حزب الله”، إضافة إلى الضغوط المالية. وللعلم أنه عندما صدرت قوانين اميركية فرضت قيوداً وعقوبات على “حزب الله” وتعاملاته المالية في المرحلة السابقة، مع اتهام بنوك لبنانية وتسليط الأضواء عليها، عالج رياض سلامة الموضوع بحكمة ومسؤولية عالية واستطاع ان يوازن بين متطلبات حماية النقد والمصارف اللبنانية وبين ان “حزب الله” هو مكون لبناني اساسي لديه وزراء في الحكومة ونواب في البرلمان، كما نجح المصرف المركزي في إرساء علاقات مبنية على الثقة مع السلطات النقدية العالمية ومع المجتمع الدولي نتيجة ما اظهره من التزام بالمعايير الدولية ومن إخضاع عملياته المالية لرقابة مشدّدة ابقت على صفاء ونقاوة القطاع المصرفي اللبناني وعلى صدقيته دولياً.

استحق رياض سلامة لقب أفضل حاكم مصرف مركزي في العالم. نقلت حاكميته وعلى مدى عقدين ونصف العقد وعبر هندسات مالية حازت شهادات المجتمع الدولي، لبنان النقدي والمصرفي وحتى الاقتصادي والمالي من ضفّة إلى أخرى، فحقق ما عجزت عنه دول شارفت على الإفلاس رغم برامج الدعم والإنقاذ. وقد استحق فعلاً قرار تجديد ولايته الأخيرة بإجماع سياسي ووطني وشعبي أكد الثقة بسياساته التي حفظت للبنان نقدا وطنيا وقطاعا مصرفيا قادراً على المنافسة في أسواق المنطقة. لكنه أيضاً ثبت سعر صرف الليرة اللبنانية، وحماها من التجاذبات السياسية في التسعينات، وتمكن من تحييدها خلال الخلافات على تمديد ولايات رؤساء الجمهورية، وصولا إلى إغتيال رفيق الحريري وما أعقبه من عدوان تموز 2006، ثم الفراغ الرئاسي بعد ولاية الرئيس ميشال سليمان الذي دام أكثر من عامين مرفقا بكل أنواع المفاعيل الثقيلة الوطأة على أحوال الاقتصاد والنقد.

حاز الحاكم سلسلة تكريمات صنّفته كأفضل حكام المصارف المركزية في العالم وفي المنطقة أكثر من مرة. لم يكن إختياره ثانيا في العالم بين “الأفضل أداء لعام 2016” مصادفة أو جائزة ترضية من مجلة “غلوبال فاينانس غرايدز”، بل “لإنه تجاوز كل التحديات وحافظ على الإستقرار النقدي والمالي، ونجح في السيطرة على التضخم وتحقيق أهداف النمو الإقتصادي وإدارة أسعار الفائدة. لكن الحاكم الذي يعرف أن المطبّات قاسية ومليئة بالأزمات، وطريق الحلول ليست معبّدة، يعمل بكل ثقة ويستند إلى خبرة وحنكة وعلاقات، وأيضا إلى إجماع منحه “بطاقة مرور” بإسم لبنان إلى أي من دوائر القرار في الخارج، بحثا عن أفضل آليات لمواجهة والضغوط.

 

ركن أساسي للبلد

يشكل مصرف لبنان ركنا اساسيا في منظومة النظام الاقتصادي والمالي اللبناني، ومع رياض سلامة تحوّل الضامن منذ سنة 1993 حيث تمكن من رسم سياسة نقدية حامية لليرة اللبنانية واستقرارها ولهذا النظام. وطوال أكثر من عقدين ونصف العقد ورياض سلامة يشكل الضمانة ويعزز الطمأنينة في ظل صراعات وخلافات شهدتها أربعة عهود، ويضمن للبنانيين الاستقرارالنقدي ويخرج البلد من الأزمات في استحقاقات ومحطات مصيرية.علماً أن سلامة اعتمد سياسة تحفيزية للاقتصاد، وحتى في القروض السكنية اعتمد سياسة سنوية مدروسة ورصد مبالغ مالية لتستفيد منها الفئات اللبنانية المحدودة الدخل.

وأن يكون اسم رياض سلامة قد ارتبط بسلامة الليرة وقدرتها على الصمود في وجه التقلّبات العديدة فهذا فخرٌ له بقدر ما هو ضمانة للعملة الوطنية، واستطراداً فهذا لا يعيبه، بقدر ما يكشف النوايا الخبيثة للذين يحملون عليه مجازفين، ربما، بالوصول الى انهيار مالي لا يتحمّله لبنان في أي حال.

ولعل الالتفاف المصرفي حول حاكم مصرف لبنان، يؤكد صحة سياساته، فهناك إشادات متواصلة من أركان جمعية المصارف ومن كبار المصرفيين، برياض سلامة، إنطلاقاً من تثمينهم دوره لخدمة القطاع وقبل ذلك للإستقرار المالي. وفي الوسط السياسي والاقتصادي، أكثرية تدافع عن الحاكم. فلولاه، لما اجتاز الاقتصاد اللبناني أصعب الأزمات التي شهدها لبنان طيلة السنوات الماضية التي أمضاها على رأس السلطة النقدية والمصرفية، فإسم الحاكم أصبح مرادفاً للثقة والاستقرار.

الحاكم يحقق الانجازات
أخفقت الحملة في النيل من حاكم مصرف لبنان رياض سلامه وسياساته وهندساته المالية كما انها فشلت من ضرب القطاع المصرفي، فالقطاع المصرفي والرأي العام اللبناني يعرفان مدى اهمية ودور هذا القطاع الذي يمثل سرّ صمود الاقتصاد اللبناني في احلك الظروف واشدّ الأزمات، وهو الخاضع لرقابة مصرف لبنان والملتزم كل القوانين والمعايير المحلية والدولية.
في إحصاءات وزارة المال عن عام 2015 فإن المصارف سدّدت وحدها ما يعادل 49% من الضرائب الإجمالية على الأرباح التي جبتها الدولة من عموم الشركات والمؤسسات العاملة، فيما ارباحها لا تمثّل اكثر من 15% من الأرباح الإجمالية لهذه المؤسسات والشركات.
اما ما قيل عن ارباح كبيرة ومداخيل استثنائية للمصارف جراء الهندسة المالية، فإنه كلام يجافي الواقع الذي يفيد ان الهندسة المالية التي اتبعها مصرف لبنان انعشت ميزانيات المصارف وعززت رسملتها لإستقطاب ودائع اكثر مستقبلاً. كما ان مصرف لبنان ألزم المصارف ان تدرج في “المؤونات” ارباحها من عمليات المقايضة التي جرت ضمن إطار الهندسات المالية الأخيرة. اما الإنتقادات التي سيقت ضد الهندسة المالية لمصرف لبنان، وحملات “التجنّي والتحامل” على رياض سلامه، فإنها لم تصمد طويلاً وانما سقطت وانكشفت الجهات والغايات الواقفة وراءها، التي تريد الإساءة إلى الإستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي والإجتماعي، وكسب مصالح شخصية وخاصة.

إستطاع الحاكم حماية القطاع المصرفي وتطويره في لبنان. فإكتسب سمعة كبرى في الشرق الأوسط وحول العالم وهو يؤمن سيولة للعديد من المشاريع المختلفة الحجم. وتجاوز القطاع المصرفي حدود لبنان فأسهم في إثراء وتنمية العديد من المشاريع الخارجية. وعندما يتم ذكر إسم رياض سلامه يتم الربط دائما مع سياسة تثبيت سعر صرف  العملة اللبنانية أمام الدولار والتي بقيت ثابتة منذ التسعينات من القرن الماضي حتى اليوم على رغم التغيرات التي حصلت وهي خطوة حافظت على الاستقرار النقدي والمالي. كما أن إنجاز سلامة الأبرز هو حمايته للقطاع المصرفي من تداعيات أزمة الرهن العقاري التي حصلت في العالم في 2008 وإستطاع تجنب الهزات الإرتدادية عن لبنان، بمنعه التعامل بالأدوات المسمومة.

 

إدارة رائدة وقطاع سليم

يستمر مصرف لبنان في حماية الاستقرار المالي والنقدي ويعزز في الوقت نفسه الصمود الاقتصادي في وجه الأزمات التي تلوح في المنطقة اقتصاديا والاضطرابات في عدد من الدول العربية. وها هو بقيادة رياض سلامه قادر على الاستمرار في إدارة دفة التدفّقات في اتجاه لبنان، بما يعزّز قدرة المصارف على تمويل الدولة، ويضمن زيادة الاحتياطات بالعملات الأجنبيّة. على أن الصمود الاقتصادي ومعه الاستقرار المالي والنقدي، لم يكونا ليتحققا لولا السياسات التي اعتمدها مصرف لبنان بقيادة الحاكم، الى الاجراءات التي اتخذها والتدابير التي يعمل بها منذ سنوات، ما أدى الى تحييد لبنان اقتصادياً وحمايته من الأزمات.

كل الوقائع والمؤشرات والمعطيات تؤكد أن القطاع المصرفي في لبنان سليم ووضعه غير متأزم ولديه نسبة سيولة كبيرة، كما أنه يحقق الأرباح على الرغم من الاوضاع. لكن الأمر ليس صدفة، فبقدر ما تستطيع المصارف اللبنانية فعله إضافة الى متانتها، فإن التزامها قرارت مصرف لبنان جنبها الكثير من الأزمات. ولذلك يمكن القول أن عمليات الدمج السابقة كانت التي سار بها الحاكم سلامه، انطلاقاً من متطلبات دولية، مرت بنجاح، فيما النموذج النقدي الذي بناه أضفى مناعة حمت الاستقرار في الظروف الاستثنائيّة، فبدت مهمّة المحافظة على استقرار سعر صرف الليرة اللبنانيّة تجاه الدولار الأميركي هدفاً أساسياً واستراتيجياً وطويل الأمد بالنسبة الى الحاكم، حيث تتوافر الإمكانات لتحقيقه. ولذلك شهدنا استقراراً لليرة أدى إلى فوائد مقبولة في الأسواق الماليّة اللبنانيّة وحصّن الى حد بعيد الأمن الاجتماعي والثقة بالقطاع المصرفي اللبناني.

 

التزام المعايير والشفافية

استندت الهندسة الماليّة التي يتبعها مصرف لبنان بقيادة رياض سلامة وتأثيرها على وضع الصناعة المصرفيّة في لبنان الى معايير لا يخفيها الحاكم. فهي انطلقت من الحرص على الالتزام بالمعايير الدوليّة لتسيير الأعمال المصرفيّة والماليّة. فقد أصدر مصرف لبنان تعاميم تثبت القاعدة القانونيّة لمكافحة تبييض الأموال، وأيضاً تلك المتعلّقة بمعايير بازل 3، حيث تمّ الاتفاق أن تصل نسبة الملاءة لدى القطاع المصرفي اللبناني إلى 12 % في عام 2015. أمّا بالنسبة إلى مخاطر الائتمان، فالتدابير الاحترازيّة التي يعمّمها مصرف لبنان على المصارف كافية للحدّ من المخاطر، فيما المصارف مجهّزة لقراءة بوادر أي تخلّف وجاهزة لاتّخاذ التدابير اللازمة لتجنّب أي أزمة. ومن المعايير، الحفاظ على مستوى سليم من السيولة في المصارف. وهو عمل على فصل المصارف التجاريّة عن مصارف الأعمال، باعتبار أنّها تقوم بأدوار مختلفة تماماً. وحسن نوعيّة العمل المصرفي بالتعاون مع المصارف، مع الحفاظ على الاستقرار التسليفي في لبنان، إضافة الى مراقبة الاستقرار المالي عبر وحدة الاستقرار المالي، ورصد المخاطر والأزمات المحتملة قبل وقوعها لاتّخاذ التدابير الاحترازيّة، وتطوير الثقافة المصرفيّة بهدف تطبيق مبادىء الإدارة الرشيدة. كما عمل مصرف لبنان بإشراف سلامه على تطوير الأسواق الماليّة، ما يساهم في تأمين تمويل طويل الأجل لدعم مبادرات القطاع الخاص، مكمّلاً بذلك دور القطاع المصرفي الذي يتمحور تمويله على تسليفات قصيرة الأجل، ثم سياسة توفير ملاءة الدولة.

ولا يمكن مقاربة سياسات المصرف المركزي، من دون استشراف حاكم مصرف لبنان رياض سلامه، وهو الذي أختير مرات عدة أفضل حاكم مصرف مركزي عربي وعالمي، ففي ظل الظروف الصعبة التي يجتازها لبنان، أدار سلامة السلطة النقدية في لبنان بثقة، حامياً الاقتصاد اللبناني بسجل حافل بالانجازات منذ تسلمه لمنصبه حاكماً لمصرف لبنان.

 

مواجهة الأزمات

بينما كان الاقتصاد العالمي يتراجع بفعل الأزمة المالية وارتداداتها، وكانت السلطات التنفيذية في الدول الصناعية تضخ اموالا طائلة لتقويم المصارف، كانت المصارف في لبنان سليمة وامكاناتها كبيرة واستثماراتها جيدة وسيولتها اكبر بكثير من احتياجات السوق اللبنانية، والسبب في ذلك يعود الى البيئة التي شجعها مصرف لبنان تحت قيادة الحاكم رياض سلامه، وبالتعاون مع القطاع المصرفي، وبفعل تعاميم مصرف لبنان التي أصدرها بهدف تشجيع الاستثمارات.

ومنذ التسعينات، أي منذ توليه حاكمية مصرف لبنان، تنوعت وسائل المركزي في تحقيق الاستقرار في أسعار الصرف. وكان فرض مصرف لبنان نسب احتياطي إلزامي ملائمة على الودائع لدى المصارف بالليرة اللبنانية والعملات الأجنبية لمساعدته على الإدارة الفعالة للسيولة والتسليف وتحقيق المنافسة بين التسليف بالعملة الوطنية وبالعملات الأجنبية ودعم دوره كمقرض أخير ولو بعملة غير عملته الوطنية. فالإجراءات والهندسات المالية التي اعتمدت منذ التسعينات لترسيخ الاستقرار في الأسعار أثبتت فعاليتها وجدواها بالتجربة مرات عديدة، وكان آخرها الأزمة المالية العالمية. وكان من أولويات سلامه، وضع ضوابط للعمل المصرفي، وأنظمة رقابة داخلية وخارجية في المؤسسات المصرفية لحمايتها من المخاطر التي قد تواجهها، وخصوصاً في الظروف المالية العالمية المضطربة. وهي مهمة تستدعي أيضاً تطوير أنظمة الدفع والسيولة.
والواقع أن مصرف لبنان، نجح في أن يكسب النظام المصرفي اللبناني المناعة والثقة، من خلال الهندسات المالية والتعاميم التي يصدرها “المركزي” لحماية القطاع، وهو أمر أبقى لبنان بعيداً عن أي تداعيات، وأبقى على الاستقرار النقدي والاجتماعي. واستند سلامة في اجراءاته إلى المبادىء الأساسية للعمل المصرفي السليم، وتطبيق مبادىء الإدارة المصرفية الرشيدة.
وعرف رياض سلامة في الواقع، كيف يحافظ على سلامة الوضع النقدي والمالي في احلك الظروف. وفي وقت كانت المشاكل والحروب تطيح بالوضعين السياسي والامني وتؤدي الى اهتزازات عنيفة، ظلت البلاد تنعم باستقرار نقدي عميق. وفي وقت كانت الثقة تتزعزع بالدولة ومؤسساتها ولامست في احيان كثيرة حدود الإنهيار، لم تتزعزع الثقة يوماً بـ”مصرف لبنان” وسياسته المسؤولة ورؤيته الثاقبة والاستباقية للامور والازمات. وعندما كانت مؤسسات وشركات وطنية عريقة تواجه نكسات واخطاراً، لم يكن الا “مصرف لبنان” ملاذاً وملجأ، حتى اذا ما وضع يده على المشكلة واخذ الامر على عاتقه وضعت المشكلة على سكة المعالجة الصحيحة والعلاج الشافي.

الواقع، ورغم كل الاوضاع الصعبة والضغوط التي تعرض لها لبنان، فإن كل المؤسسات المالية العالمية أعلنت رياض سلامة شخصية لبنانية عالمية مميزة ورائدة في عالم النقد والمال. ويعترف البنك وصندوق النقد الدوليين وكبرى المؤسسات المالية في العالم بسياسات سلامه المالية التي استطاعت ان تبقي لبنان في منأى عن تداعيات الازمة المالية العالمية وابعدت الكأس المرة عن لبنان واللبنانيين والمستثمرين والمودعين العرب. لكن الأهم هو الاعتبار في لبنان، حيث أصبح رياض سلامة صمام أمان للنقد وإسماً ملازماً ومرادفاً للاستقرار المالي والمصرفي والنقدي ، وايضاً للاستقرار العام عند اللبنانيين، خصوصاً في هذه المرحلة الصعبة في لبنان والمنطقة.

الانطلاقة الاولى

في العودة الى التسعينات، وكان سلامة تسلم الحاكمية في عام 1993، إختــارت مؤسـسة “يورومني” للأبحــاث البريطانيــة المتخصصــة في الاقتصــاد، الصــادرة في لندن، والتي تتابع إقتصادات العالم داخل الدول، حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وسلّمته عام 1996 جائزة أفضل حاكم مصرف مركزي عربي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحينذاك كان أصغر حاكم مصرف مركزي على الإطلاق. وقالت المجلة عنه، إنه طبّق سياسة أتاحت لليرة اللبنانية أن تستعيد قيمتها أمام العملات الأخرى. وهذا النجاح برز من خلال التحسن الذي طرأ على سعر الصرف. وفي عــام 2003، إختــارت مؤســسة “يــورومـني” أيضــاً، رياض سلامــة كأفضــل حاكــم بنـك مـركزي للعام، وقـدّمــت له الجائـزة في دبـي.
وقدّمت “منظمة مصرفيون من أجل مستقبل أفضل”، وهي منظمة مصرفية أكاديمية دولية، مركزها فرنكفورت – ألمانيا، جائزة أفضل حاكم مصرف مركزي للعام 2004، وقد إختارته من بين 20 حاكم مصرف مركزي في العالم.
وبعـد اختـياره لثـلاث مـرات على التوالي كأفضـل حاكم مصـرف مركـزي في الشـرق الأوسط، إختـارت مجلة «يورومني» حاكم مصرف لبـنـان رياض سلامـة أفضل حاكم مصـرف مركزي في العالم للعام 2006، كونه «واجه تحديات كثيرة شائكة إستطاع أن يتخطاها بنجاح»… وقد تسلم سلامة جائزته في احتفال ضخم، أقيم في فندق «رافلز بلازا» في سنغافورة ، خلال اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في حضور أكثر من 400 مدعو.
ومنحت جمعية المصرفيين العرب في شمال أميركا ABANA، حاكم مصرف لبنان رياض سلامة جائزتها السنوية لسنة 2007، تقديراً منها لأدائه المميز على رأس الحاكمية منذ تعيينه العام 1993، وتكريماً للقطاع المصرفي اللبناني، إضافة الى عشرات الجوائز اختير سلامه أخيراً افضل حاكم مصرفي في العالم 2018.
إن نجاح السياسات النقدية والمصرفية التي انتهجها مصـرف لبنـان بقـيادة ريـاض سلامـة، لم تحقـق الإستقرار النقدي وحسـب، بل كانت ايضاً عاملاً في تقـدم القـطاع المصـرفي وتطوره وفي تحديث منتجاته وخدماته، وفي تحفيزه على التوسع خارج الحدود. لكن الأهم هو الأمان الذي يشعر به اللبنانيون والثقة والصدقية والاستقرار الذي تأمن بفضل السياسات التي انتهجها وساهمت في حماية لبنان.

رياض سلامة حاكم المرحلة. الثقة باقية عنوانه، والليرة مصانة والمصارف محصنّة.

 

*************************************

مجلـــة البنك والمستثمر
العدد 215 _تشرين ثاني 2018

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة